فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا ما وجهنا النظر- من جانب آخر- إلى الاستقلال الجزائري وعلاقته بالأحوال العربية الخاصة والانعكاسات التي يجوز أن يحدثها في هذا الميدان فانه سيمكن لنا أن نلاحظ بعض الظواهر المعينة التي لها دلالتها في هذا المقام، والظواهر هذه هي ظواهر نفسانية على وجه اخص، وتتصل- في مجموعها- بصميم الشعور العربي، وما تتوافر فيه من خصائص وإمكانيات تتراوح بين السلبية والايجابية بدرجة غير محدودة، وفي مجال هذه الملاحظة نستطيع أن نتبين مقدار الانفعال العربي بنهاية الصراع المستعر اوراه منذ أكثر من سبع سنوات ونصف في ارض الجزائر، ونوع الحقائق اللامعة التي أسفر عنها بما يدركه العالم اليوم، وليس المجال هنا- في الواقع- مجال التقدير لمجرد البطولة وروح الافتداء ونكران المصير الشخصي، فقد سجل التاريخ العربي- بحق- وفي خضم المشكلة الفلسطينية ذاتها سنة 1936 - 1937 أنواعا من روح الإيثار والاستبسال لا يمكن نكران قيمتها من الناحية التقديرية المبدئية، إنما الصورة الجديدة التي أسفر عنها الاستقلال الجزائري، والتي لابد أن توحي للوجدان العربي بكثير من بواعث التأثر والانفعال، هذه الصورة تترآى بصورة اخص في ظاهرة التنظيم المنهجي الخاص الذي اكتسته الثورة الجزائرية وفاعلية هذا التنظيم- بعد الله- في تأمين ثبات الثورة وإكسابها قدرا من المناعة الشاملة لا تضاهي، إن هذه المنهجية البديعة الخلافة، وهذه المقاييس الدقيقة الحية، وهذه العقلية الدينامية الرياضية، وهذه الروح المستوعبة المستقصية، كل ذلك كان لابد أن يثير الوجدان العربي كما لم يثر من قبل، وكان من الضروري أيضا أن يفضي بالعقل العربي إلى مجال التفهم العميق لهذه الحقائق، والبناء عليها إن كان هناك من إرادة في التصميم والبناء.
وقد بدرت في بعض الأوساط العربية- على أساس ذلك- بوادر الحديث عن المثال الجزائري وإمكانيات الاهتداء به في انطلاقة جديدة حل المشاكل العربية المعقدة، وفي قمتها مشكلة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وليس هناك مجال متوافر يمكن من متابعة هذه الفكرة وتحليلها على هذه الصورة، إلا أن الذي يظهر جليا من أول وهلة أن المنهجية النضالية الثورية- وان كانت فاعليتها الحقيقة ذات اثر ايجابي لا يمكن نكرانه- إلا انه ليس من اليسير دائما اعتمادها اعتمادا اتباعيا مطلقا دون النظر فيما يتصل بها من حقائق وملابسات، والقضية الفلسطينية لها مميزات وخصائص تقتضي الكثير من إسهامات العقول والأيدي والمشاعر، أما التنظيم فهو في جميع الحالات مجرد إطار مستوعب، والمهم بالنسبة لمشكلة كالمشكلة الفلسطينية هو التثبت من قيمة المحتويات التي يضمنها هذا الإطار، وأغلب الظن أن الانعكاسات التي خلفها المثال الجزائري في الذهن العربي قد لا تسفر بالنسبة لهذا الموضوع عن نتائج سلبية ولكن- بالطبع إذا كان الاستعداد للتلقي والهضم والتمثل متوافرا بصورة صحيحة وكافية وهذا هو الجانب الأساسي في واقع القضية الفلسطينية على العموم.
هذا وكما أن للاستقلال الجزائري جملة انعكاسات آتية تتمثل آثارها- كما رأينا- فيما يلاحظ من اتجاهات الأحوال في الوقت الحاضر سواء على الصعيد الإفريقي أو في المجال العربي الخاص، فان هذا الاستقلال يرتبط كذلك ببض الحقائق التي تتصل بالعالم الدولي وذلك على أوجه تختلف في مدى الأهمية والظروف والنتائج.
وارتباط الاستقلال الجزائري بالحقيقة الدولية في نطاقها الواسع- هو ارتباط نظري بالدرجة الأولى- لأن هذا الارتباط لم يستتم بعد كل عناصره التكوينية الأساسية، وليس له أن بفضي بالنتيجة لذلك إلى ما يمكن من تقديره على أساس واقعي ملموس، ولهذا فان انعكاساته على الصعيد الولي العام تتصل كثيرا بما يجوز تقديره واعتباره، لا بما يمكن ملاحظته عن طريق التحليل للواقع الماثل، وعلى أساس التسليم بهذا المبدأ فإننا نستطيع أن نستشف كثيرا من الإمكانيات الدولية التي ينطوي عليها استقلال الجزائر بهذا الاعتبار، ومن ذلك ما يجوز أن يلاحظ من علاقة بين قيام الدولة الجزائرية من جهة، وبين حظوظ الغرب في تماسكه مع نفسه وروابطه مع (العالم الثالث) من جهة أخرى، فقد كانت الجزائر- في الواقع- مصدر مضايقة جدية لمصالح التوسع السيكولوجي الغربي في كثير من أقطار إفريقيا وآسيا، وحتى أمريكا الوسطى والجنوبية، وقد مرت كثير من الفترات التي اشتدت فيها وطأة هذه المضايقة ونتائجها، وذلك إلى الحد الذي كان يقود الخارجية الأمريكية أحيانا إلى الإعراب عن ذلك للمسؤولين الفرنسيين سواء عن طريق الوسائل التعبيرية العادية أو بالإحجام عن التصويت حول الجزائر في بعض جلسات المنتظم العام للأمم المتحدة، وثمة حالات عدة كان التفاوت في وجهات النظر خلالها بشأن الجزائر يؤدي