فهرس الكتاب

الصفحة 4543 من 5287

هذا، فالدستور المستقل الأبدي ـ الذي ذكرت بعض نواحيه آنفا ـ لو حاز بالتطبيق والتنفيذ في أي بقعة من بقاع الأرض لرأي الناس فيها من العدل الاجتماعي ما لا يرضون بعده بهذا أو ذاك من النظم الوضعية. وما دام هذا الدستور منصوصا في كتاب الله وسنة رسوله ليس في استطاعة أحد أن يوقع المسلمين في حبال خديعته ويقدم إليهم النظم الاشتراكية المستوردة باسم الإسلام.

ومن مزايا دستور الإسلام أنه قد روعي فيه الاعتدال الكامل بين مطالب الفرد ومقتضيات المجتمع. فلا الفرد أوتي من الحرية ما يطغى على مصالح المجتمع. ولا المجتمع قد أحيل إليه من الصلاحيات ما يسلب الفرد حريته التي لا غنى عنها لإكمال شخصيته وتنميتها على الطريقة المستقيمة الفطرية.

إن الإسلام جاء بثلاثة وجوه لانتقال الأموال إلى ملكية فرد من أفراد المجتمع:

الأول: الإرث.

والثاني: الهبة.

والثالث: الكسب.

أما الإرث الذي تعتبره الشريعة إرثا صحيحا، فذلك هو الذي ينتقل إلى من يرث من الموروث الذي كان مالكا شرعيا لما تركه من الأموال والعقارات.

وأما الهبة المعتبرة في الشريعة فهي التي وهبها الواهب تحت قواعد الشريعة وحدودها، من ماله الذي ثبتت عليه ملكيته شرعا. فإذا كانت الهبة أو الإقطاع من لدن الحكومة فيلاحظ في هذا الصدد ما يأتي من الأمور:

ـ أن يكون ذلك الإقطاع مكافأة لخدمة صحيحة شرعية أسداها الرجل إلى الحكومة.

ـ أو أن يكون ذلك الإقطاع مبنيا على المصلحة الاجتماعية.

ـ وأن يكون ذلك الإقطاع من أموال الدولة الخاصة.

ـ وأن يكون ذلك على الشكل المعروف.

ـ وأن تكون الحكومة التي تقوم بالإقطاع على الناس تجرى أمورها على مبدأ الشورى كما يقتضيها الدستور الإسلامي ويكون الشعب على حرية من محاسبة أعمالها وإجراءاتها.

وأما الكسب الجائز فذلك هو الذي لا يكتسبه الإنسان من الطريق الحرام، فالسرقة، والاغتصاب، والتطفيف، والخيانة، والبغاء، والاحتكار، والمقامرة والغرر، وتعاطي المسكرات والأعمال التي تشيع بها الفاحشة في المؤمنين ـ فكل هذه الأمور حرام في الشريعة ولا يجوز اكتساب المال منها. وأما المال الذي اكتسبه الإنسان من الطريق المشروع فلا يشك في أن ملكيته عليه ثابت شرعا، قليلا كان ذلك المال أو كثيرا. فلا قتلته تبيح اغتصاب أموال الناس باسم إقامة العدل بينهم. ولا كثرته تعطي الدليل لتجديده قسرا. إلا أن المال الذي اكتسب من الطرق غير المشروعة فللمسلمين حق في أن يسألوا صاحبه: من أين لك هذا؟ ولكن لابد أولا من البحث عن مصادره تحت القانون ثم إذا انتهى البحث إلى أنه قد اكتسب من طرق الحرام فللحكومة الإسلامية أن تصادرها وتضمنها إلى بيت مال المسلمين.

وكذلك لا تعطي الشريعة حرية مطلقة للتصرف في ماله المكتسب من الطريق المشروع بل وضعت أمامه بعض العراقيل التي تحول دون تصرف المال في الوجوه التي تضر مصالح المجتمع أو تفسد على نفسه هو دينه وأخلاقه. إن الإسلام لا يبيح لأحد أن ينفق ماله في وجوه الفسق والفجور فعلى هذا يسد في وجهه باب تعاطي الخمر والقمار والزنا واتخاذه الأحرار عبيدا له وإماء وبيعهم وشراهم في الأسواق كالحيوانات العجماء، والتبذير.

وكذلك لا يبيح له أن يشبع هو وجاره جائع إلى جنبه. ولا يعطى له حقا في الاستفادة من ماله إلا من طريق مشروع معروف. وإذا أحب أحد اكتساب المال باستثمار ما عنده من المال الذي يزيد على حاجته فله أن يفعل كذا، لكن بالطريق الذي أحله الله له، ولا يتجاوز الحدود التي حددتها الشريعة بهذا الصدد.

ثم أن الإسلام يفرض الزكاة لخدمة المجتمع على المال الذي يبلغ نصابها، وكذلك على الأموال التجارية والزروع والمواشي وغيرها من الأموال والعقارات بنسبة محددة فانظروا ـ مثلا ـ إلى أي بلد من بلاد الإسلام: لو أننا أخذنا من أهاليها الزكاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت