فهرس الكتاب

الصفحة 4558 من 5287

هو أيضا إلى هذا الخطر بعلماء المسلمين، إذ وجد الفتور العام، والقنوط الفكري يستوليان عليهم في تقليد مميت، وفي إطار الفروض والفروع، وأسلوب التأليف المريض إلى معارك جدلية، ومماحكات ومناقشات تلفظية تقتل المواهب كما تقتل الزمن في فراغ وعقم، فأمرهم بالاجتهاد ونبذ التقليد والعكوف على الدراسة الإسلامية من ينابيعها الصافية. هذا بالإضافة إلى انتفاضات فكرية حرة تحاول مساندة الاجتهاد تظهر في فترات متفرقة يكاد يكون له سلطانها وتفوقها ـ لولا منافسة البيئة والسلطة الزمنية والظروف الغير المناسبة، وعقد الجمود المستعصية التي تريد إشباع حاجتها تحقيقا لمطالب شتى.

ودعاة الاجتهاد والتحرر الفكري حينما يدعون الناس إلى الاقتناع بالدليل، وتعويد أنفسهم على تحكيم المنطق النفسي ـ لا يريدون إلا شيئا واحدا وهو: أن يرتبط المسلمون بدينهم وبمجتمعهم، ويعملوا على تقوية تلك الصلاة الوثيقة ويسهلوا على الناس طريق الاتصال بهم كي يتعرفوا على ما عندهم ويتعرفوا هم أيضا على ما عند الناس.

ويجب أن لا ينسى ما لأهل الاجتهاد من علمائنا المتقدمين من جهود في رعاية تلك المواريث الضخمة الإسلامية، وما لهم من أعمال مشكورة في تشييد الفكرة الإسلامية، ويجب أن نذكرهم ولا ننساهم ونخلق من مدرستهم أفكارا متفتحة واعية نبني على غرارها ونستفيد من خبراتها، ونستهدف الحصول على ضروب الالتقاء معهم على أساس تلك المئاخذ والمدارك التي تحروا فيها كل الدقة والعمق والوضوح والملاءمة مع الخطوط الإسلامية الكبرى.

وأخال أنك تذكر قول الإمام الشافعي رحمه الله: كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق ففيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه أتبعه، وإن لم يكن فيه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد.

كما يجب أن لا يغيب عن أذهاننا قول الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه: لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين فإن أحدهم يتبع أمامه ـ مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له ـ كأنه نبي أرسل.

ولا داعي الآن إلى إجهاد الفكر في صياغة قواعد لتلتقي مع المقاصد الإسلامية ـ ما دام المفروض أن علماء الإسلام القدامى قد أوغلوا في سيرهم لاستثمار هذه الأصول وتفهم المعاني الحقيقية لها وتخير أحسن الطرق للاستفادة منها ولإبداء مناسبات الحكم لمقصد التشريع، فكل واحد من العلماء، وإن كانت له طريقته في الأخذ والعطاء وله طريقته في فهم النصوص ـ إلا أن الكل كان يعمل على تقريب مئاخذ الشريعة الإسلامية إلى أذهان الناس تحقيقا لميزة تعميم التشريع وتحقيقا للاعتبارات الإنسانية الهادفة في غير إخلال وفي غير إرهاق.

ولابد لي ـ في هذا الإلمام ـ أن أسوق إليك جملة من هذه الأصول، فالقول بالاستحسان والمصالح المرسلة وأنواع القياس والمصلحة العامة على طريقة نجم الدين الإمام الطوفي المتوفى سنة 716 وما تعم به البلوى والاستصحاب وسد الذرائع ومراعاة الخلاف وإزالة الضرر واليقين لا يرفع بالشك، والمشقة نجلب التيسير والبراءة الأصلية والاستقراء والعادة محكمة، والأخذ بالأخف والاستدلال وتحكيم الحال والرجوع إلى المنافع والمضار وعمل أهل المدينة ومعقولية النص كل ذلك كان في الحقيقة ارتيادا لمقاصد الإسلام الكبرى وانتصارا لضمان سير هذا الدين ولانتظامه وهو يسير مع الزمن ومع الفكر ومع مطالب الحياة ومع الناس جميعا في كل عصر.

وإذا كان لابد من طريق لعلمائنا في عصرنا الحاضر فلا يكون غير هذا الطريق الذي سلكه أسلافنا والذي دلت فيه التجربة بمرور الزمن ـ وكشف الواقع على صلابته وعلى الوثوق به، فإذا ما صحت العزائم واستقامت الأحوال وتجردوا عن الملابسات، وجردوا من أنفسهم إيمانا صادقا بالحاجة إلى ضروب الالتقاء مع روادهم القدامى في كل ميدان، فإن ذلك سيسهل عليهم ـ ولا شك ـ طريق وحدة فكرية إسلامية، المناط الوحيد لبناء وحدة اجتماعية قوية متماسكة فيها قوة الدفع وفيها الحركة المستمرة وفيها رسم للجوانب الإنشائية وسيبلغون بذلك مدى ما يصل إليه الناس في مبادرتهم وفي مواصلة سعيهم إذا ما فهموا ذلك فهما مجردا عن كل شرح وحاشية وتقرير.

فاس: محمد العيسوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت