فهرس الكتاب

الصفحة 4557 من 5287

فلذا سارعت إلى اصطناع المذاهب بمساهمتها في تأسيسها وحمايتها والمبادرة إلى التدخل بجميع ما تملك من ضروب النشاط على شرط أن تتسم بطابعها وتمشي في فلكها، وفي الجانب الآخر كانت هناك اضطهادات ولعنات تصب على المناوئين الذين استوثقوا من صلابة دينهم وضميرهم وعقليتهم فباعوا أنفسهم لله.

وأسهام السياسة في تأسيس المذاهب كان ملء سمع التاريخ وبصره، فيذكر الإمام ابن حزم قدس الله روحه: أن مذهبين قد انتشرا في بداية أمرهما بقوة السلطان: الحنفي بالعراق والمالكي بالأندلس.

ويظهر أن محاولة المنصور العباسي علي أن يحمل الإمام مالكا على تدوين الموطأ لتسير في الآفاق ويحمل الناس عليها كانت تهدف من غير شك إلى هذا الحجر المذهبي، ولكن جلالة مالك واسترشاده بدينه حالت دون الانتهاء إلى رأي أمير المؤمنين فوافقه على مبدأ التصنيف، وألح عليه في أن يترك المسلمين في حل من تقليد علمائهم، ما داموا متحرين لكتاب الله وسنة رسوله.

هذا بالإضافة إلى مسائل أخرى كانت تعرض على العلماء ـ لا ليأخذوا رأيهم ـ ولكن ليحملوهم على ترسم آثار سياستهم، وكانت في الحقيقة امتحانا لضمائرهم ومحنة عليهم. ولم يقف الأمر عند هذا الجد بل انتقلت هذه العدوى السياسية من الشرق إلى أرض الأندلس تحت تأثير ما لمسوه من قوة الدفع في صفوف العلماء ومن التفتح الاجتماعي، ومن وعيهم المتدفق في الشريعة الإسلامية والوقوف على أسرارها، بقلوب هذبها الدين، وبعقول راضها الإسلام، فماذا كان موقفهم، وما هي الفطنة التي يستريحون إليها؟

عمدوا إلى إنشاء مجلس الشورى لكبار العلماء ليناط بهم الاجتهاد (الرسمي) وحدهم فيما يعرض من أحكام ترجع إلى التشريع والأمور العامة للدولة والأوقاف لتصاغ الأقضية ـ في كل جانب ـ صياغتها الملائمة. وربما نجد بين ثنايا هذا المجلس من لم يألف الاحتراف بأفكاره، والارتزاق بدينه، فذاقوا من صنوف النكال والمهانة والتعذيب ألوانا، ولئن أظلتهم السجون على مهاد التاريخ.

وكانت تروج ـ في هذه المجالس ـ صور قضائية من حين لآخر لو دونت ـ بأمانة وتجرد ـ لكانت مرجعا سياسيا ضخما يطالعنا بكثير من تقلبات الدولة الإسلامية وبطابعها السياسي وبالاتجاه الاجتماعي وبالفكرة العامة التي تستولي عليها لذلك العهد.

ومن الشذوذ التاريخي أن المغرب الأقصى لم يتأثر بهذه العدوى السياسية بل بقي بمنجاة منها وخاصة على عهد المرابطين ـ الذين كانت فروض السياسة وعلاقة الأنظمة وازدهار الدولة تسرع بهم إلى اتخاذ مثل هذا الموقف.

فقد كان الفقهاء والقضاة يتسمون بطابعهم المتميز وفي مكانهم البارز من الدولة لهم حظوظهم الواسعة في المجالس وفي الانتهاء إلى آرائهم.

فقد أعطى يوسف بن تاشفين للقضاة سلطة مطلقة لا ترد أحكامهم ولا يتدخل فيها ولا تخضع لنظام الشورى السائد بالأندلس، وقد جر هذا النفوذ الواسع القاضي ابن أحمدين في أواخر دولة المرابطين على الاستقلال بملك بعض الأقاليم، كما حاول قاض آخر أن يحل محل عبد الله بن ياسين في إشرافه الفعلي على الدولة وصيرورة مقاليد الأمور إليه. ولئن كان الناس يعللون هذه الظاهرة الاجتماعية بخفة وزن الدولة وضعف حظها من الاختمار السياسي، وانطباعها بمسحة البداوة التي تعلو سائر تصرفاتها، الأمر الذي دعا كثيرا من المستشرقين إلى إطالة الوقوف على مئاثر هذه الدولة التي طالت معها حسرتهم، وإلى إصدار أحكامهم العفوية فإن أمرا واحدا يسكب الماء البارد على حرارة هذه الأحكام وهو تزود الدولة بمقدار بالغ من الهدي الإسلامي وتأثرها به إلى مدى بعيد.

وإذا كانت مسحة البداوة تتمثل في الإخلاص والتجرد والتمسك بالدين وإزاحة الخلل والانتقاض بين صفوف المسلمين، والعمل المتصل لإيصال الخير إلى الناس كافة، فإن واحدا لا يشك لحظة في أن هذا ما يطلب من كل نظام عام في كل عصر وفي كل دولة.

على أن يوسف بن تاشفين لم يكن طرازا وحده في هذا الميدان فهناك غيره من ملوك المغرب من ارتاح إلى القضاء على المذهبية المتصلبة، ونبذ التقليد، فنجد عبد المومن بن علي حوالي سنة 550 قد تنبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت