فهرس الكتاب

الصفحة 4561 من 5287

متقدما على زمان دحوها كما صرحت به الآية، وكذلك يقول علماء الهيئة فيما يفترضونه للكشف عن خلق الأرض، فقد قالوا: إن الأرض انفصلت عن الشمس، وكانت حرارتها عند ذلك إثنى عشر ألف درجة مأوية، وبقيت ملايين من السنين لا يعلم قدرها إلا الله قبل أن تبرد، ثم بقيت بعد ما بردت زمانا طويلا قبل أن تدحى ومهد أي تبسط، ثم بعد الدحو أخرج الله منها ماءها وأنبت مرعاها، وبعد ذلك خلق الحيوان والإنسان ليستمتع بما أنبتته الأرض كل من عليها من إنسان وحيوان، وهذا ما نطقت به الآية، وليس من قصدنا أن نخضع آيات القرءان لنظريات العلماء، لأن القرءان متبوع غير تابع، ولأنه لا يتبدل ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بخلاف نظريات العلماء، ولكن لما كان الاتفاق بين الآيات وبين ما وصل إليه بحثهم ظاهرا نبهنا عليه.

1)قوله: ولكن لسنا مضطرين إلى أن نقف حيث وقفوا .. الخ. هذا كلام يجب أن نتلقاه بما يستحقه من العناية والاهتمام، لأن ضعاف العقول المقلدين للعلماء الأوربيين سنوا لأنفسهم سنة بليدة جامدة، وهي أنهم كلما سمعوا قضية علمية عرضوها على ما تلقفوه من أولئك الباحثين، فإن ظهر لهم أنها موافقة له قبلوها، وأن لم يجدوها فيما تلقفوه نبذوها وحاربوها، فيقال لهم، لو كانوا يعقلون، أنتم لم تحيطوا علما بجميع نتائج الباحثين، والباحثون لم يدعوا قط أنهم أحاطوا بكل شيء علما وأنهم وصلوا إلى نهايته، وفي المثل إذا اتسع علم المرء قل إنكاره، وقيل لأحد المعاندين المعارضين، هل أحطت بالعلم كله؟ أو أحاط أستاذك به؟، فقال: لا. ثم قيل له: هل أحطتما بنصفه، فقال: لا. فقبل له: هذا اعتراف منك بأنك وأستاذك لم تؤتيا من العلم إلا قليلا فكيف جزمت بنفي هذه القضية، وأنت لا تعرف من العلم إلا قليلا، فهل جعلتها من القسم الذي لا تعلمه، وهو الأكثر باعترافك فسقط في يده. وهنا ظهر لي أن استطرد ـ كما هي عادتي ـ واذكر حكاية لا تخلو من طرافة وعبرة مع شيء من الشبه بما تقدم، وذلك أني كنت في مدينة بمباي بالهند سنة 1343 للهجرة، وكنت قاصدا الرجوع إلى المغرب على طريق بغداد فدمشق فمصر، فذهبت بجواز سفري إلى السفير البريطاني ليمنحني سمة الدخول إلى العراق، فأخبرت أن ذلك ممنوع، والسبب في ذلك أن الدولة التركية كانت تطالب بلواء الموصل لتضمه إلى أراضيها، وكانت دولة الانتداب وهي بريطانية تمانع في ذلك، فلذلك منعت دخول الأجانب إلى بلاد العراق، فلما يئست من ذلك عزمت على التوجه إلى مصر رأسا، وكان غرضي من زيارة العراق لقاء رجلين اثنين من العلماء السلفيين، أحدهما الشيخ محمد بن أمين الشنقيطي في الزبير بناحية البصرة، والثاني السيد محمود شكري الألوسي في بغداد، وكنت جالسا في مبيع كتب الشيخ شرف الدين الكتبي فدخل شاب في نحو الثانية والعشرين يرتدي ثيابا هندية، ولكنها فاخرة جدا بعدما ترك سيارته عند الباب، وكانت السيارات في ذلك الزمن عزيزة لا يقتنيها إلا أهل الثروة الكبرى فقام الحاضرون جميعا لاستقباله، وكنت أطالع كتابا فلم أتحرك من مكاني ولم أعبأ بمجيئه، وتلك عادتي مع الأغنياء الذين لا أستفيد شيئا من غناهم، وقد شذذت في ذلك عن القاعدة التي أشار إليها ابن دريد في مقصورته بقوله في وصف الناس:

عبيد ذي المال وإن لم يطمعوا *** من ماله في جرعة تشفي الصدى

وقال غيره:

رأيت الناس قد مالوا ***

رأيت الناس قد ذهبوا ***

رأيت الناس منفضة ***

ومن ما عنده فضة ***

إلى من عنده مال

إلى من عنده ذهب

إلى من عنده فضة

فعنه الناس منفضةوأقوال الأدباء في هذا كثيرة لا أطيل على القارئ بها، لأني أخشى أن ينفذ صبره، ثم جلس الفتى والحاضرون يتنافسون في التقرب إليه والدنو منه ويعرضون عليه ما طبع حديثا من الكتب، ثم توجه إلى الشيخ شرف الدين وكان يعلمه النحو وسأله عن قوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب) لماذا نصب الوصف مع أن الموصوف مرفوع، فقال الشيخ شرف الدين: إن هذا الأستاذ المغربي هو أعلم مني بالنحو وأشار إلي، فالتفت ذلك السري إلي وقال لي: أنت من المغرب؟ قلت: نعم. فقال لي ما تقوله في هذه المسألة؟ فقلت: يجوز في حمالة الرفع على النعت والنصب على الذم بفعل مضمر وبهما قرئ في السبع فدعا بالبيضاوي وقرأ إعرابه لتلك الكلمة فوجده مطابقا لما قلت له فأعجبه ذلك، واستمر يسألني عن مسائل مختلفة في علم الأدب وأجيبه وبقي على ذلك نحو ساعتين ثم انصرف، وأخذ معه الشيخ شرف الدين ليصله إلى بيته في السيارة، وفي أثناء الطريق سأله عني فأخبره بما عزمت عليه من زيارة العراق وتعذر ذلك علي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت