فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 13
وفي مقدمتها الحرية ( Liberalism) : لقد كان الزعماء المجددون ممن رفعوا لواء هذا المذهب الجديد يدعون الناس إلى الحرية والتسامح ورحابة الصدر في كل شعبة من شعب الحياة وفي كل ميدان من ميادين الفكر والعمل سواء أكانت الميادين ميادين الدين والفلسفة والعلوم والفنون والآداب، أو ميادين المدنية والعمران والسياسة والاقتصاد. فإنهم أرادوا أن يزيلوا عن طريق الإنسان الحر المتجدد كل ما يقوم في وجهه من القيود والعقاباب والتضييقات والاضطهادات. والحق أنه لم يكن أحد من الفريقين-طبقة البورجوازية وأهل الكنيسة والإقطاعيين- في هذا الصراع على طريق من النصفة والاعتدال. فكما كانت حرية البورجوازية وتجددهم تذهب بهم إلى غاية، كذلك كان ضيق نظر أهل الكنيسة والإقطاعيين تسوقهم إلى غاية أخرى. فهم على طرفي نقيض وكانت يد الأثرة عاملة في كلا الجانبين، ولم يكن لهما أدنى علاقة بالحق والعدالة والعلم الصحيح والفكرة الصالحة. فان كانت طائفة قد استغلت اسم الله والدين والأخلاق في سبيل مدافعتها عن العقائد الملفقة والامتيازات الشنيعة والحقوق القائمة على القهر والعنف، فإن الأخرى قد أفضى بها الغلو في العناد إلى أن جعلت تزعزع، باسم الحرية والمسامحة. ما كان في الديانة والأخلاق من الحقائق المسلم بها منذ أول أمرها، وهذا هو الزمان الذي انقطعت فيه العلاقة بين السياسة والأخلاق وابتدعت النظرية القائلة بأن لا حاجة إلى مراعاة المبادئ الخلقية في الحصول على الأغراض والمصالح السياسية. وهذا هو الزمان الذي نحتت فيه أصنام القومية والوطنية والدولة القومية بإزاء الكنيسة والإقطاعيين. وبذلك بذرت بذور الفتنة التي جعلت من العالم، اليوم، بركانا من الحروب والمناوآت القومية. وهذا هو الزمان الذي نشأت فيه، لأول مرة، فكرة جواز الربا ومشروعيته، مع أن أهل الدين والأخلاق وعلماء القانون ما زالوا مجمعين على حرمته منذ أقدم الأزمان، ولم تحرمه التوراة والقرآن فقط، بل كان أرسطو وافلاطون من القائلين بحرمته أيضا، وكذلك كان محظورا منهيا عنه في قوانين اليونان والروم ولكن لما قامت طبقة البورجوازية في دور البعث ( Renaissance ) وحملت بيدها راية الخروج على الكنيسة المسيحية قالت في بدء الأمر: (( ان الربا محظور لابد للإنسان منه ) )ثم أثرت هذه الدعاية في المتجددين المسيحيين وسحرت قلوبهم فبداوا يبيحونه متذرعين بحيل الاضطرار لما فطر عليه الإنسان من الضعف والوهن، ثم صارت إباحة الربا مسلما بها في نفسها وتركز الكلام الخلقي في سعر الربا فقط، وجعل أهل الكفر الممتازون يؤكدون أنه ينبغي أن يكون سعره مناسبا معقولا، حتى آل الأمر إلى أن تأصلت فيهم الفكرة القائمة بان لا علاقة للدين والأخلاق بالمعاملات التجارية، وان الربا شيء فطري معقول من الوجهة الاقتصادية، فكما انه لا يعترض على كراء الدار، كذلك ما هنالك من دليل عقلي على حرمة الربا.
ومن عجيب الأمر أن كل ما انتزعه البورجوازيون من حقوق متنوعة من أيدي البابوات والإقطاعيين وملاك الأراضي بدعايتهم وجهودهم المتتابعة، بدأوا يستأثرون به دون غيرهم في دور البعث نفسه، ولم تذكرهم حريتهم ومسامحتهم أن في الشعب طبقة أخرى دونهم قد ذاقت من شدائد النظام الإقطاعي وويلاته أكثر مما ذاقوا هم أنفسهم، فمن حقها الآن أن تنال معهم نصيبها من ثمرات هذا النظام الحر الجديد وفوائده، وخذ مثلا لذلك أنه لما تأسست الحكومة في بلاد انكلترا عن الطراز البرلماني وانتقل زمام السيادة الحقيقية في البرلمان من أيدي الشيوخ ( Lords) إلى أيدي العوام ( Commonos) استأثر بهذه السلطة كلها (البورجوازيون) المتشدقون بالحرية والتسامح وسعة الصدر، ولم يتذكروا، عندما أبوا أن يعطوا الجمهور حقهم في التصويت نفس الحجج التي نالوا بها حق التصويت لأنفسهم.
الانقلاب الصناعي
وفي القرن الثامن عشر سبب اختراع الآلة سرعة في سير الانقلاب الذي كان قد ابتدأ في عصر النشأة الثانية. ولما سخرت المعلومات والاختراعات العلمية الجديدة في ترقية الصناعة والتجارة والزراعة ووسائل النقل، بدأت سلسلة إنتاج المنتجات وإعداد المواد الخام واستهلاك البضائع المصنوعة في كل قطر من أقطار العالم على نطاق واسع لم يكن ليخطر، من قبل، على بال.
وكانت طبقة البورجوازية، التي كانت قد نهضت وارتفع شأنها في عصر النشأة الثانية، اقرب الطبقات والطوائف إلى استغلال ما فتحه هذا الانقلاب العظيم من