فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 14

أبواب الرقي والرفاهية والنفوذ والسلطة، والاستفادة منها، وذلك لما كان بيدها من الصناعة والتجارة والثروة والسيطرة على العلم والأدب. استخدمت الثروة والمهارة الفنية والكفاءة الإدارية وأقامت بها نظاما للصناعة والتجارة اشتهرت فيما بعد باسم (( النظام الرأسمالي الجديد ) )وقد أقيمت، تحت هذا النظام الجديد، معامل ومصانع ودوائر تجارية كبيرة في المدن، وانفضت الحلقات القديمة لأهل الحرف من الطوائف المختلفة، وضاقت سبل العيش في وجوه أصحاب المصانع المنفردين والتجار من ذوي الثروة القليلة، واضطر أهل الحرف من سكان القرى أن يؤموا المدن ويعملوا أجراء بين أيدي أصحاب المصانع الكبيرة هؤلاء. وكذلك لم يجد التجار من أصحاب الأموال الضئيلة بدا من أن يكونوا مستخدمين أو وكلاء لهؤلاء الصناع والتجار. فهكذا تخطفت الطبقة البورجوازية كل ما جاءت به الاختراعات العلمية الحديثة من القوى واستأثرت به، وأخذت في توسيع نطاق نفوذها وسيطرتها.

وان أكبر ما حال دون امتداد هذه السيطرة ونفوذ تأثيرها، هو تلك الولايات القومية التي كانت قد تولدت نتيجة لحركة النشأة الثانية. كان ملوك هذه الولايات يزعمون أنهم يتمتعون بسلطة موهوبة لهم من الله، وكان أمراء النظام الإقطاعي الفارط وأغنياؤه قد أصبحوا أنصارا لهؤلاء الملوك وساطين قام عليها صرح سيطرتهم ونفوذهم، وجملة القول أن السلطة كلها كانت بيد هذا (( الثالوث ) )الذي كان يلقي في سبيل البورجوازية أنواعا من العقبات، بل لم تكن عقباته تحول دون الطبقة البورجوازية في ميدان الصناعة والتجارة فحسب، بل كان هنالك في العمران والمدنية أيضا كثيرا من مخلفات النظام الإقطاعي لا تحبها هذه الطبقة الناشئة وتشمئز منها اشمئزازا شديدا.

مذهب الحرية والتجدد الحديث

ثم ان مذهب الحرية والتجدد، الذي كان قد انتصر في الحرب السابقة، نهض مرة أخرى في هذا العصر مدججا بالأسلحة الجديدة واخذ ينفخ روح الجمهورية في السياسة، وروح الفردية في المدنية والاجتماع والأدب والأخلاق وروح التحرر وعدم التقيد ( Laisser Faire) في الاقتصاد. ولقد كان قولهم الذي يقولونه في هذا الشأن انه لا حق للكنيسة ولا للدولة ولا للمجتمع أن يقوم في وجه سعي الفرد للارتقاء والانتفاع، وأنه ينبغي أن تكون الحرية التامة متيسرة لكل فرد من الأفراد حتى يتمكن من استعمال قواه ومواهبه وكفاءاته حسب ميوله، بل لا يمكن أن تسدى إلى صالح المجتمع نفسه خدمة إلا بأن يتمتع كل فرد من أفراده بحرية غير محدودة في كل شعبة من شعب الحياة، وفي كل طريق من طرق العمل ومن كل قيد من القيود الرسمية والدينية والخلقية والقانونية والاجتماعية فهكذا استنفد زعماء هذه النظرية ورفعوا لوائها جهودهم في رفع كلمة التسامح والتحرر والإباحية والفردية-وإذا قلنا بكلمة موجزة- (( المعقولية ) ) ( Rationalisme) حسب ما اصطلحوا عليه.

ولقد كانوا يطالبون، في مجال السياسة، بأن تكون سلطة الحكومة ضيقة إلى أقصى حد ممكن وأن يكون الفرد متمتعا بأقصى ما يكون من الحرية، فلا تكون الحكومة إلا وكالة تعنى بإقامة العدل بين الأفراد وتمنعهم من أن يتدخل بعضهم في حدود بعض وتحافظ على الحرية الفردية، فلا حاجة للحكومة إلى التدخل في شؤون الأفراد هذه لا بحيث أنها عاملة ولا باعتبار أنها هادية. وفي الوقت نفسه كانوا يريدون الا تبقى سلطة الحكم ملكا لأسرة ملكية ولا أن يستغلها بعض بيوتات من ملاك الأراضي. إنما كان قولهم أن البلاد ملك لكافة الأهالي، ولا تسير شؤون الحكومة إلا بما يؤدون لها من الضرائب، فينبغي الا تقوم الحكومة ولا تنقض ولا تتبدل إلا بآرائهم وان يكون لهم تأثير بالغ وكلمة مسموعة وقول فصل في التشريع والإدارة. فهذه النظريات هي التي أصبحت أساسا لما بدأ يقوم في الدنيا منذ أواخر القرن الثامن عشر المسيحي من الجمهوريات الجديدة.

أما المبدأ الذي دعوا إليه واهتموا به اهتماما بالغا في الاقتصاد، فهو أنه ان تركت قوانين الاقتصاد النظرية تعمل بنفسها على سجنها بحيث لا يتدخل فيها ولا يخل بشأنها العوامل الخارجية، فالمرجو أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت