فهرس الكتاب

الصفحة 4573 من 5287

وما يفتحه من آفاق ومجالات، فمن المؤكد بالبداهة أن أسس التقدم العلمي ـ مادية وفكرية وتنظيمية ـ تكاد تكون ـ في العصر الحاضر حكرا خاصا لدول الغرب الأوربي والأمريكي، والاتحاد السوفياتي وإن ما يدعى بـ «العالم الثالث» بما فيه دول إفريقيا وآسيا (باستثناء اليابان) وأمريكا اللاتينية بالإضافة إلى بعض أقطار البلقان أيضاـ هذا العلم لا يكاد تتوافر لديه مقومات هذا التقدم إلا بنسب ضئيلة جدا، وفي كثير من الأحيان لا يتوافر له شيء مطلقا، هذه الحالة من التفاوت الهائل في ممكنات التقدم العلمي والإنجاز التقني تقوم ـ في بعض الاعتبارات ـ كعامل حقيقي يساعد على استمرار التفاوت أيضا في مجالات الإنتاج الصناعي والتوسع الاقتصادي بين دول الغرب والسوفياتيين من جهة، وبين شعوب «العالم الثالث» من جهة أخرى.

وهناك تبتدئ صورة المشكلة القائمة في عالم اليوم .. المشكلة الماثلة أساسا في هذا التفاوت .. التفاوت الضخم الشاسع بين شعوب وشعوب .. بين كتل دولية معينة، وبين كتل أخرى تختلف عن الأولى مقاصد وأهدافا، وتقل عنها إمكانيات واستعدادا.

هذا التفاوت لو لم تكن له نتائج ذات مدلول خطير جدا على المستوى العالمي، لما كان لنا أن نعتبره إلا مجرد مشكلة عابرة قد تحل على وجه أو آخر بمرور الزمن، وباتساع فرص التعاون الدولي الحر، ـ على العكس من ذلك ـ مدلول بعيد الخطورة وعميق الأثر إلى أقصى الحدود، ومن نتائجه الحتمية: الإبقاء على حالة «الصغر» عند هذه الدول التي نصطلح على تسميتها بالدول الصغيرة، والحفاظ على مقومات «الكبر» لدى مجموعات الدول التي يتواضع على دعوتها بالدول الكبرى أي الدول التي تنعم بحق الفيتو، والعضوية الدائمة في مجلس الأمن والقدرة الفعلية على إقرار الحرب أو السلام في ربوع العالم.

إلى أين تتجه الأوضاع العالمية في ظلال ظروف مثيرة من هذا النوع؟ سؤال من البساطة كذلك النفوذ منه إلى من استشراف الآفاق الشاسعة التي يفتحها، وعلى كل فإن هناك من بين الحقائق التي تتبادر للذهن في هذا المقام، هناك حقيقة أساسية بارزة، وهي أن توافر القدرة العلمية والتقنية عند كتل دولية معينة تسنحثها ظروفها ومصالحها ومذهبيتها لخوض غمرات صراع دائم، وعلى نطاق عالمي شامل ـ أن توافر هذه الممكنات الاستكشافية والإنتاجية ذات الصبغة العلمية عند خاصة هذه الدول المتكتلة دون غيرها ـ ليس من شأنه ـ أبدأ ـ أن يساعد على حل مشكلة العلم، وما يرتبط به ـ كثيرا ـ من أهداف سلبية وشريرة، وما يلتحق بمنجزاته المادية أحيانا من حقائق لا إنسانية ولا أخلاقية، فهذه المنجزات لا يجوز ـ بحق ـ أن تنفصل عن ذاتية العلم ومظهر وجوده وفاعليته وهي ـ من جانب ٍآخر ـ لا يمكن أن تنفصل أيضا عن جملة المقاصد والأهداف السياسية والدولية التي تتحكم في توجيه الأجهزة الحكومية المسيرة. وتسيطر ـ بالتالي ـ على وجهة نشاط العلماء والتقنيين الذين يعملون تحت إشراف هذه الأجهزة، وبوحي من تخطيطاتها وتوجيهاتها. ولابد أن تبقى المشكلة قائمة على هذا الأساس، يستمر وجودها باستمرار الأوضاع العالمية الحاضرة، والظروف التي تسيطر على هذه الأوضاع، وإذا ما تبين الأمر على هذا النحو فهل سيكون من الضروري حقا أن نشدد النكير على مساوئ المنجزات التدميرية التي تنبثق عن حقائق العلم واكتشافاته وتطبيقاته؟ وإذا كان لنا أن نوغل في توجيه عبارات النقد بهذا الصدد، فهل من الحكمة ـ حقا ـ أن نقصر انتقاداتنا هذه على العلم، ونركزها حوله بالذات بحيث ننظر إلى التطبيقات ذات الأهداف الشريرة التي تتولد عنه باعتبارها جزءا لا يتجزأ من كيانه؟ أو هل سيكون علينا ـ على النقيض من ذلك ـ أن نضع خطا فاصلا من الناحية النظرية بين العلم كمجموعة من الحقائق، أو ما يفترض أنه حقائق، وبين المنجزات المنبثقة عنه، والتي توجهها أحيانا أهداف صراعية مزمنة لا تمت إلى العلم بأية صلة، إننا إذا وضعنا انفلاق الذرة أمامنا كمثال فإنه سيكون علينا حينذاك أن نتساءل: هل كان من الخير للإنسانية لو لم تتطور الأبحاث حول موضوع الانشطار النووي بوجه عام، لنفضي في النهاية إلى ما أفضت إليه يوم يناير سنة 1939 عندما تم للعالمين الألمانيين «هان» و «شتراسمان» تجزئة ذرة الأورانيوم بصورة ناجحة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت