فهرس الكتاب

الصفحة 4574 من 5287

لكن هناك ما يدعو للتساؤل من جانب آخر: هل كان حتميا ولازما أن تستغل نتائج الانفلاق الذري على نحو ما هو واقع الآن، وتوجه وجهتها الحاضرة التي تتمثل في مجموعات الأجهزة الحرارية الإشعاعية المدمرة التي تتوافر بغزارة الآن سواء عند هؤلاء أو أولئك؟ لقد كان من الضروري بالطبع أن تتطور الأبحاث المتصلة أو حتى المتخيلة، فالبحث العلمي يشكل ـ عادة ـ نوعا من التسلسل في النتائج التي لابد أن يفضي بعضها إلى البعض الآخر، وذلك باعتبار أن هذه النتائج هي ـ في حقيقة أمرها ـ مجرد انعكاس لجملة الحقائق الكونية والحياتية المترابط بعضها ببعض، والمتداخلة ـ هكذا ـ فيما بينها تداخلا دقيقا ليس لمتانة وشائجه من حدود، لكنه لم يكن من الضروري ولا من المعقول أبدا أن يوجه النشاط العلمي في ميدان الذرة ـ بعد أن تمت تجزئتها بصورة عملية ـ أن يوجه هذا النشاط في المجالات السلبية التي يكاد يكون مقصورا عليها الآن بصورة واسعة، فالطاقة الهائلة التي تحتويها الذرة هي ظاهرة طبيعية عادية مثل جميع الظواهر الطبيعية الأخرى التي يزخر بها هذا الكون العظيم، وتقوم عليها قوانينه ونواميسه، وكما أمكن تسخير مصادر القوة الطبيعية الكثيرة، والاستفادة منها فيما يعين على تطور الحياة الإنسانية في مختلف الميادين، فكذلك كان من المفهوم عقليا ومنطقيا أن يكون للطاقة دورها القوي في خدمة أهداف التوسع الإنساني الإيجابي، وذلك بما يتناسب مع فخامة إمكانياتها الثروة الشاسعة، وما يتفق وواقع الحاجيات الإنسانية المتزايدة في محيط هذا العالم الحديث، وقد كان من الطبيعي كذلك أن تبقى علوم الجراثيم ـ كما كانت من قبل ـ كعامل إيجابي في حياة الإنسان وظروف ازدهاره الصحي والاجتماعي والديموغرافي وغير ذلك، إلا أن الواقع أن هذه العلوم بالذات قد أصبحت ـ هي الأخرى ـ شديدة التأثر بمقتضيات الصراع العالمي القائم، وقد انقضى وقت طويل جدا منذ أن غدت ـ بالنتيجة لذلك ـ أداة أخرى من أخطر أدوات الحرب الجماعية الشاملة، وتعتبر الآن ـ بالفعل ـ أكثر استعدادا من الطاقة النووية للإعفاء على مظاهر الحياة والعمران في أية حرب عالمية مقبلة، وهناك أمثلة عديدة أخرى من هذا القبيل، سواء في ميدان التحليل الكيماوي أو التركيب الآلي أو التخطيط الهندسي أو غير هذا وذاك من صور التطبيق العلمي في مختلف فروعه وأصنافه .. هذا التطبيق الذي ما تزال نتائجه تتأرجح دائما بين مجالات الشر والخير تبعا لما يتحكم فيه من مقاصد وأغراض، وطبقا لما يتفق مع سياسة الدول المشرقة عليه وينسجم مع حقائق اتجاهاتها نحو الحرب أو السلام.

وإذا كانت كثير من منجزات العلم الحديثة تتأثر في توجيهها ـ وإلى هذا الحد ـ بنفسية الصراع والتناحر التي تسيطر على مختلف الدول والكتل الدولية التي تملك سبل هذه المنجزات فإنه من اليسير جدا أن نستبيح لأنفسنا بعض الانتقاد لهذا التطور السلبي اللا إنساني الذي يسجله تقدم العلم في الميدان الذري والبكتيريولوجي، والذي توجه مقدراته خاصة لخدمة أهداف صراعية ولا أخلاقية في بعض الأحيان، بيد أنه إذا كان لنا أن نوجه اعتراضا ما بالنظر لهذه الاعتبارات، فإن العلم والآفاق التطبيقية الواسعة التي يتيحها في مختلف الميادين لا يجوز أن يكون مطلقا موضوع هذا الاعتراض، أو مجالا له بأية صورة من الصور، أما العنصر الأساسي الذي يجب أن نركز النظر حوله في مثل هذه القضايا فهو بالذات العنصر الإنساني باعتبار ما يلعبه من دور حيوي في هذا المضمار، إن الإنسان سواء أكان يضطلع بمهمات البحث والتجربة والاستنتاج والتركيب في مجالات العلم المادية. أو كان يتولى مسؤولية التوجيه والتخطيط في المضمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره، هذا الإنسان يجب أن يعتبر دائما العقدة الرئيسية الكبرى في موضوع العلم وما يتصل به من مشكلات نفسانية وسياسية وحضارية وغيرها، فالعلماء الذين تتوافر لهم إمكانيات الاستطلاع والتحليل والتوليد، والذين يعدون ـ بالبداهة ـ العمود الأساسي في كل مراحل الإنجاز العلمي ووقائعه، هؤلاء العلماء ـ قد أصبحوا ـ كما رأينا ـ أقل استقلالا في مجالات نشاطهم الإنتاجي، وذلك ما لا يمكن أن يتيح لهم قدرا كافيا من القدرة على تحديد وجهة أعمالهم العلمية، أو الحكم في تصريف ثمرات هذه الأعمال، وسواء في ظلال الاشتراكية الحديثة أو الرأسمالية بشكلها القوي الواسع سواء داخل هذا النظام أو ذاك، فإن الحالة لا تختلف كثيرا من حيث الصلة التي تربط بين الإنتاج العلمي وسياسة الدولة، وباعتبار ما يؤدي إليه ذلك كثيرا من مثل ما نلاحظه في طبيعة الحياة الدولية الحاضرة، والتداخل هكذا بين منجزات العلم، وأهداف الصراع العالمي سيبقى حقيقة قائمة وبارزة، طالما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت