فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
عجنت به طينتها لاتجاهها المادي، وثورة أصحابها على الديانات والقيم الخلقية والروحية عند نهضتها، وعلل فساد القلب والفكر الذي اتسمت به هذه الحضارة بكون روح هذه المدنية ملوثة غير عفيفة (*) وقد جردها تلوث الروح عن الضمير الطاهر، والفكر السامي، والذوق السليم، وتسلط عليها ـ رغم المدنية الباذخة والحكومات الواسعة، والتجارة الرابحة ـ القلق الدائم، لقد أظلم الجو في عواصمها بدخان المصانع المتصاعد الكثيف ولكن بيئتها ـ على كثرة أنوارها ـ غير متهيأة لفتح جديد في الفكر وإشراق من عالم الغيب، إنها حضارة شابة ـ بحداثة سنها والحيوية الكامنة فيها ـ ولكنها محتضرة تعاني سكرات الموت، وإن لم تمت حتف أنفها فستنتحر وتقتل نفسها بخنجرها، ولا غرابة في ذلك فإن كل وكر يقوم على غصن ضعيف ليس له استقرار، ولا يستغرب أن يرث ثراتها الديني ويدير كنائسها اليهود (*) ، إن أساس هذه الحضارة ضعيف منهار، وجدرانها من زجاج لا تحتمل صدمة (*) وأن نورها باهر وشعلة حياتها ملتهبة وهاجة، ولكن لم يكن في ربوعها من يمثل دور موسى فيتلقى الإلهام ويتشرف بالكلام، ولا من يمثل دور إبراهيم فيحطم الأصنام ويحول النار إلى برد وسلام (*) إن عقلها الجريء يغير على ثروة الحب وينمو على حساب العاطفة (*) إن عمالقتها وثوارها قد طغى عليهم التقليد فلا يخرجون ـ حتى في ابتكارهم وثورتهم ـ عن طريق المرسوم والدائرة المحدودة.
لقد تضخم العلم وتقدمت الصناعة في أوربا، ولكنها بحر الظلمات ليست فيه عين الحياة، إن أبنية مصارفها تفوق أبنية الكنائس في جمال البناء وحسن المنظر، إن تجارتها قمار يربح فيه واحد ويخسر فيه ملايين، إن هذا العلم والحكمة، والسياسة والحكومة التي تتبجح به أوربا ليست إلا مظاهر جوفاء ليست وراءها حقيقة، إن قادتها يمتصون دماء الشعوب، ويلقون درس المساواة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، إن البطالة والعرى وشرب الخمر والفقر هي فتوح المدنية الإفرنجية، إن الأمة التي لا نصيب لها من التوجيه السماوي والتنزيل الإلهي غاية نبوغها تسخير الكهرباء والبخار، إن المدنية التي تتحكم فيها الآلات، وتسيطر فيها الصناعة، تموت فيها القلوب، ويقتل فيها الحنان والوفاء، والمعاني الإنسانية الكريمة (*) .
وقد كان انتقاده واستعراضه للحضارة الغربية وأسسها ومناهج تفكيرها في محاضراته العلمية التي ألقاها في مدارس ونشرت بعنوان (تجديد الفكر الديني في الإسلام(*) أعمق وأكثر تركيزا بطبيعة الحال، لأن جو البحوث الفلسفية غير جو الشعر والأدب، فقال وهو يتحدث عن طبيعة الحضارة المادية في الغرب والإنسان المعاصر الذي يمثلها ويتزعمها وعن الأزمة والمشكلات التي يعانيها:
«الرجل العصري بما له من فلسفات نقدية وتخصص علمي يجد نفسه في ورطة، فمذهبه الطبيعي قد جعل له سلطانا على قوى الطبيعة لم يسبق إليه، لكنه قد سلبه إيمانه في مصيره هو» (*) .
(الإنسان العصري وقد أعشاه نشاطه العقلي كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحانية الكاملة أي إلى حياة روحية تتغلغل في أعماق النفس، وهو في حلبة الفكر في صراع صريح مع نفسه، وهو في مضمار الحياة الاقتصادية والسياسية في كفاح صريح مع غيره، وهو يجد نفسه غير قادر على كبح أثرته الجارفة، وحبه للمال حبا طاغيا يقتل كل ما فيه من نضال سام شيئا فشيئا، ولا يعود عليه منه إلا تعب الحياة، وقد استغرق في «الواقع» أي في مصدر الحس الظاهر للعيان، فأصبح مقطوع الصلاة بأعماق
*) ضرب كليم، ص 69.
*) ضرب كليم ص 14 يشير إلى نفوذهم الزائد وثقة أوربا النصرانية بهم.
*) بال جبريل.
*) بيام مشرق ص 248 يعني أن أوربا لم تكن أرض النبوءة والأنبياء من الزمن القديم، ولم يكن فيها إشراق روحاني وإنما ازدهرت فيها الماديات.
*) أيضا.
*) بال جبريل.
*) المصدر المذكور ترجمة عباس محمود ص 214.