فهرس الكتاب

الصفحة 4657 من 5287

كثيرا من الأخطاء التي نقع فيها عند مرحلة البناء، فكثير من الباحثين عندنا يظنون أنهم حلوا المشكل حينما بينوا أن عناصر ثقافتنا المغربية موجودة وأنها مشخصة في تراثنا المحلي من علم وأدب وفن وفولكلور وتقاليد وما إلى ذلك.

حقا، إن لنا تراثا ثقافيا قد نجد فيه دواعي للفخر والاعتزاز، ولكن، هل معنى هذا أن لنا اليوم ثقافة قومية، بكل معنى الكلمة؟ إن هؤلاء الباحثين عندما نطلب منهم أن يدلونا على ثقافتنا الوطنية يكتفون في جوابهم بأن يعرضوا علينا ما خلفه الأجداد، ولكن، هل تراث الأجداد، مهما بلغت قيمته يملأ الفراغ العقلي الذي يعيش فيه مجتمعنا؟ وهل حاجيات أجدادنا، لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية المادية، هي حاجياتنا اليوم. وهل مداركهم هي مداركنا؟.

اللهم إلا إذا اعتبرنا الثقافة القومية كجسد ميت ينبغي أن ننبش عنه في القبور، وحينئذ يحق لنا أن نتساءل هل وقفت ملكة التفكير والإنتاج والاجتهاد في القرون المنصرمة؟ وهل انحبست ينابيع الوحي والإلهام عن أبناء جيلنا فأصبحوا لا يمكنهم أن يجدوا غداءهم العقلي إلا في ما تبقى لنا من آثار العصور الخوالي؟

والجواب على هذه التساؤلات يظهر لنا في الحين بصورة تلقائية: إننا مهما عشنا مع آثار الماضي ومهما أعجبنا بمحاسنها، فلن يغنينا ذلك عن الرجوع إلى ما ينتجه أبناء جيلنا، وقد يحدث للبعض أن يكرهوا عصرهم وينفروا منه ويفروا من مجتمعهم ليلتجئوا ولو بفكرهم إلى عصور التاريخ الغابرة حيث يجدون أنفسهم، ولكن هذه العداوة التي يحملون لعصرهم تخلق لهم، بالرغم عنهم، رابطة قوية من الجيل الذي ينتمون إليه، إننا مع مجتمعنا نعيش بالعقل والقلب معا ونجد أنفسنا في موقف مزدوج متناقض، موقف الحكم والخصم، ولكننا مع أجيال الماضي ومجتمعاته لا نشعر إلا برابطة هادئة وادعة، رابطة تخلصت من حرارة الأهواء الجامحة وصارت كتلك الرابطة التي تجمع بين صديقين يعيش كل منهما في بلدة ويتبادلان رسائل التعاطف والإخاء، فنحن ننظر إلى آثارهم بعين ملؤها الإعجاب والإكبار، ولكن فيها أيضا شيء من التسامح والتجاوز، مدركين أن العالم منذ عهدهم تطور وسار أشواطا بعيدة في طريق التقدم.

فالثقافة القومية لا تنحصر في تراث الماضي، وإنما هي، قبل كل شيء، كائن حي، كائن ينمو ويتسع كل يوم بما ينضاف إليه من اكتشافات ومكاسب جديدة.

فهي من حيث الكم تضم مجموع الجهود الفردية التي يقوم بها الكتاب والفنانون والعلماء في بلد ما وعصر ما، وهي من حيث المحتوى تعبر عن سائر التيارات المذهبية والجمالية التي تسري في المجتمع وتتصارع فيما بينها وتعكس في صور مختلفة مشاغل الجيل واهتماماته.

وهذا ما يتضح لنا ببعض الأمثلة التاريخية.

مثال من تاريخ الحياة الفكرية في العصر العباسي:

لنقف، مثلا، في تاريخ العباسيين عند عهد المأمون، فسنجد أن مشكلة خلق القرآن أثارت في الرأي العام ضجة كادت تؤول في بعض الأحيان إلى فتنة، وقد تسببت في اضطهاد عدد كبير من العلماء رفضوا أن يجاروا المأمون في عقيدته فيقولوا بخلق القرآن، ونشأ عن كل ذلك جدال ومناظرات لا زالت بعض آثارها في كتب التاريخ.

والملاحظ في شأن هاته المشكلة أن لها جانبين:

جانب عقلي وآخر عاطفي، فالجانب العقلي هو الذي يتمثل في النقاش المحتدم الذي كان يملأ مجالس الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة ورجال الدولة، حيث كان كل فريق يدافع عن فكرته بالحجج المختلفة، معتقدا أنها هي الحقيقة، وأما الجانب العاطفي فهو يتمثل في تلك المواقف الحماسية التي تظهر بها العامة عندما تريد الإعراب عن عقيدتها والدفاع عنها، فالشعور الديني يغمر العقل في هذا المقام ويخلق قوة جماعية موجهة نحو غاية واحدة، ولذلك فإن هاته القضية كادت تخلق حربا مدنية.

ذلك نموذج من المشاكل الحية التي يكون لها أثر عميق في الحياة العقلية، فمشكلة خلق القرآن بما أحدثته من أصداء عاطفية وعقلية في المجتمع العربي استطاعت أن تخرج بالفكر العربي من طور الركود والجمود إلى طور اليقظة والحركة وأن تدفع بالعلماء النابهين إلى البحث والتنقيب، ومثل هذه المشاكل العامة التي تعرض في تاريخ الأمم وتشغل الرأي العام،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت