فهرس الكتاب

الصفحة 4658 من 5287

سواء أكانت دينية أم سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية هي التي تمد الثقافة القومية بروح جديدة ودم جديد، كما تساهم في تعميق شخصيتها وإبراز ملامحها.

إلا أن كل مشكلة من هذا النوع لها ارتباط وثيق بالعصر والمجتمع اللذين برزت فيهما، نحن، حينما نريد أن نعيد لمشكلة خلق القرآن حياتها وأهميتها في مجتمعنا، نجد ذلك مستحيلا، إنها ماتت بالنسبة إلينا وأصبحت بعيدة كل البعد عن مشاغل أبناء جيلنا ولم تعد إلا حادثا تاريخيا ننظر إليه من زاوية خاصة، وإذا ما نظرنا إليها من الناحية الفكرية، مشكلة فلسفية عادية تنظر إليها بمنظار العقل الهادئ الرصين.

فنحن، في هذا العصر وفي مجتمعنا، لنا أيضا مشاكلنا التي تشغلنا وتستفز أهواءنا وتثير الجدال الحاد في مختلف أنديتنا، وهي التي تواجهنا في حياتنا اليومية، إنها عنوان على التطور الذي حققناه منذ العصر العباسي وما تلاه من عصور، إنها مشاكلنا الطبيعية، مشاكل جيلنا.

مثال من تاريخ الآداب المقارنة:

ولنأخذ مثالا ثانيا من تاريخ آدابنا العربية، إن الكاتب العربي الذي وقع الإجماع على تبريزه في فن النثر هو الجاحظ، فلا زلنا إلى اليوم نقرأ الجاحظ بشوق متزايد ونستطيب بكيفية خاصة نثره العربي الصراح فهو ينقلنا من نكتة لاذعة إلى نادرة غريبة، إلى عبارة رشيقة جذابة ويجعلنا رويدا مأخوذين لسحر أدبه الفياض.

ومع ذلك، فنحن نقرأه كما نقرأ غيره من كتابنا القدامى في جانب والعبارة في جانب آخر، فالأفكار والمعلومات التي يوردها الجاحظ لم تعد تهمنا لأنها في غالب الأحيان لا تتناسب مع مستوانا الفكري اليوم، وأما التعبير، فلا زال مفعوله قويا في نفوسنا.

ولنسأل نفوسنا ونحن نتصفح البيان والتبيين وكتاب الحيوان مثلا هل الذي يهمنا هو الأفكار أم هو التعبير، وهنالك ميدان بين فيه الجاحظ مهارته إلا وهو التصوير كما يظهر ذلك من خلال صفحات البخيل، والواقع أن الجاحظ عندما رسم لنا صورة بل صورا عن البخيل في عصره فقد خط لنا بريشته الخفيفة ملامح البخيل كما يظهر في كل زمان ومكان.

إلا أن هذا لا يعني أن تصوير البخيل قد انتهى عند حد الجاحظ، بل أن تاريخ الآداب العالمية يبين أن الموضوع ظل معروضا باستمرار على أقلام الكتاب العباقرة، فهذا «موليير» أتى بالعجب العجاب، كما هو معلوم، في روايته «البخيل» وكان مجددا مبدعا، وسر نجاحه هو أنه صور لنا البخيل كما كان يظهر في عصره أي في القرن السابع عشر بالمجتمع الفرنسي، فبخيله، وإن كان صورة أزلية للبخيل، مرتبط، مع ذلك، بوقت معين ومجتمع معين.

ويأتي «بلزاك» بعد موليير بقرنين فيخط لنا في روايته «أوجيني جراندي» وجها جديدا للبخيل استوحى ملامحه من المجتمع الذي كان يعيش فيه، ومن المعلوم أن بلزاك ركز طموحه في تصوير مجمتعه بما فيه من خير وشر، ولكنه في الوقت الذي يقصر همه على تصوير مجتمعه يرتفع بنا أيضا، وهذا سر عبقريته، إلى حيث نرى الإنسان في مظاهره الأزلية، تلك المظاهر التي شغلت الفلاسفة والأخلاقيين والشعراء والكتاب منذ أن نطق سقراط بكلمته الشهيرة: «أعرف نفسك بنفسك» .

من هذا المثال الأخير الذي استقيناه من المقارنة بين الأدب العربي والأدب الفرنسي تتضح أمامنا عدة حقائق:

1)إن الجاحظ كمفكر معتزلي وكعالم يلم بالثقافة العامة لعصره لا يهمنا اليوم كما يهمنا الجاحظ الكاتب، الفنان، المصور الذي ترك لنا لوحات من مشاهد لازالت تحتفظ بجدتها إلى اليوم.

2)إن نجاح الجاحظ وغيره من الكتاب في ميدان تصوير الإنسان يعزى إلى كونهم لم يروا الإنسان كفكرة مجردة عن الزمان والمكان، بل انهم تناولوه كمخلوق من لحم ودم يعيش في زمان معين وبيئة معينة.

3)إن الموضوع الواحد قد يعالج مرارا في عصور مختلفة دون أن ينضب معينه ودون أن يفقد طرافته وجاذبيته.

الثقافة بين الماضي والحاضر: النسبية الثقافية:

هذان المثالان المختلفان في نوعهما، واللذان أخذنا أولهما من تاريخ الحياة الفكرية في العصر العباسي، وثانيهما من تاريخ الأدب المقارن، يبينان لنا أن الثقافة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت