فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
المشارب الفكرية واختلافها، إلا أن هناك إحساسا قويا ـ يعم بعض رجال الفكر الأوربي أنفسهم ـ بأن هذا النوع من التطور الاجتماعي الإنساني الذي يكاد يوحد بين مختلف صور الحياة وأساليبها وألوانها وأوجه التصرف فيها عند مختلف الشعوب والأمم، ويكاد يؤدي ـ بالتالي إلى إذابة المظاهر الاجتماعية المنبثقة عن الحضارات العريقة بالعالم وصهر كل ذلك في بوتقة المدنية الحالية، أن هناك شعورا حقيقيا بأن مثل هذه الظواهر، ليس من شأنها فيما إذا اتسع نطاقها بصورة كبيرة جدا أن تساهم في إنماء التراث الإنساني العام، أو تمده بمزيد من عناصر الوفر والثراء، بل أن الأمر على العكس من ذلك يؤدي حتميا إلى نوع من الاختزال للجهود الإبداعية التي حققها الإنسان على مر الدهور، ويعين على تقليص أفق الحياة العالمية، في مستواها الحضاري بمفهومه الواسع المتنوع.
ويتميز المغرب ـ في هذا المضمار بأنه لا يزال يعتبر ـ إلى حد ما ـ من بين الأقطار التي لم تستطع موجات التطور العالمي الراهن، أن تعفي على الجوانب الإيجابية في كيانه الحضاري القديم، على أن التطور الاجتماعي عندنا كما في أغلبية الأقطار العربية والإسلامية يسير سيرا ديناميا كاسحا، وعلى مختلف الأبعاد والمستويات، ومن غير شك فإن التزام المحافظة المتشددة من شأنها أن تتسبب أحيانا في إعاقة مثل هذه الحالات من التطور الراديكالي الحاسم، كما أن التحررية المجردة، بكل ما تقتضيه من تخفف من موروثات الماضي وتزود بمآثر الحاضر، والتزام أكثر لآفاق المستقبل مثل هذه التحررية يمكن أن تؤدي ـ بالتالي ـ إلى حالات تفقد معها قوة المحافظة كل فاعليتها الأساسية، ويفضي الأمر بالتالي إلى نوع من الانفصام الحاد عن مظاهر الماضي بما فيها من إيجابية ومؤثراته ومثالياته، بما لها من قيمة وعظيم شأن، وهذا وجه أساسي من وجوه المشكلة ـ كما يجابهها كل مجتمع نام يرتبط بالماضي بأوثق الصلات الحضارية العتيقة وتحذوه في نفس الوقت بواعث التطور المشروع الحافز إلى الاندماج في كيان الحاضر، على قواعد جوهرية وجد عميقة، وإذا كنا قد ركزنا النظر ـ في هذا الحديث ـ حول الحياة الاجتماعية، واعتبرنا الموضوع يتعلق بالجانب الاجتماعي من حركة التطور الحديثة بالمغرب، فذلك لأن هذا التطور ـ وإن كان يتصل بكل جوانب الحياة التي يرتبط بها الفرد أو المجموع سواء منها ما كان علميا أو تقنيا أو تطبيقيا أو فلسفيا أيضا ـ إن كان هذا التطور يتصل بكل هذه الجوانب ـ فإنه في نفس الوقت يستقطبها كلها جميعا حيث تتبلور نتائجها في مجال أساسي واحد: المجال الاجتماعي الإنساني الذي يمكن أن نعده ـ في هذا المضمار مرآة حقيقية لكل الأحوال التي يمكن ملاحظتها ضمن نطاق هذا الاعتبار.
والميزة القصوى التي تتوافر لشعب من الشعوب في هذا المجال ـ يجب أن تساعده ـ بصورة رئيسية على النجاح في التوفيق بين هذه المتناقضات العارضة، وذلك في أطار عقلاني سليم تتلاءم فيه الاعتبارات المختلفة تلاؤما إيجابيا مثمرا، وتسير فيه حركة التطور متجذرة أصولها في أعماق الماضي والحاضر على السواء، ومستمدة من روح المحافظة المستنيرة، والتحررية الهادفة والخلق التقدمي البناء.
إن القضية إذن ـ على هذا الأساس ـ ليست قضية محافظة أو تقدمية، يمينية أو سارية، بقدر ما هي ـ في نطاق أشمل وأهم، قضية تحكم في بواعث التطور ونتائجه، والتزام للمثاليات الأساسية التي يجب أن تكون حافزا له، واستمساك بمبدأ التوفيق بين مواطن التضارب والتناقض في أصوله ومظاهره، وارتباط بالإنسان على امتداد اتجاهاته إلى حياة أفضل في إطار التكافؤ والتعايش.
ومن اليسير ملاحظة الظاهر القائمة عندنا، والتي يمكن أن تتضافر بمجموعها على التأكيد بأن خطوات المغرب التطورية الاجتماعية الراهنة، تلتقي مع كثير من الاعتبارات من هذا القبيل، إلا أنه سيبقى من الضروري دائما لأية اتجاهات تطورية حاسمة ـ على الصعيد الاجتماعي ـ من مثل ما يشاهده المغرب وغيره من الأقطار النامية ـ من الضروري لمثل هذه الحركات أن تندمج بصورة أعمق في محيط الالتزامات التي تخط لها حدود السير ومداه، وذلك كلما ازدادت نموا واتساعا وتوغلا، وهذه حقيقة بديهية واضحة، ولعلها من البساطة بمكان كبير، ولكن لها ـ مع ذلك ـ من الأهمية ـ في هذا المجال ـ قدرا عظيما وغير محدود.
سلا ـ المهدي البرجالي