فهرس الكتاب

الصفحة 4664 من 5287

فيما يتصل بعوامل نمو المجتمع، ومظاهر حياة الأفراد أو الطبقات، وتقلبات أحوالهم وتصاريف أمورهم، سواء على هذا الصعيد أو ذاك أو بالاستناد إلى هذه القاعدة أو تلك، وغني عن البيان أن مجموع الظواهر الماثلة ـ بهذا الصدد ـ تتلاقى جميعها لتؤكد بوضوح، أن التطور الاجتماعي في بلادنا قد غدا مرتبطا أكثر فأكثر ـ وعلى درجات تقوى أو تضعف ـ بعوامل العصرية والتجديد الذي تتميز به مفاهيم المدنية الحاضرة، وهذه حقيقة هامة من المعقول أن تبعث أي شخص على التفاؤل وتوحي ـ مبدئيا ـ بمشاعر إيجابية حافزة سواء على أساس اعتبار أو آخر، غير أن هناك ـ إلى جانب هذه المعطيات التي تتصل بالموضوع ـ هناك حقيقة بسيطة، بل بديهية وهي أننا ننتسب ـ كما هو معروف ـ إلى مرحلة حضارية إنسانية من أعرق ما عرفه الإنسان من حضارات، ومن أوسعها أصالة وتقدمية وإبداعا، ووجودنا متميزين بهذه الصفة الأساسية البارزة، اعتبارنا بمقتضاها كعامل إيجابي وتقدمي في موكب التطور الإنساني خلال مراحله القديمة، كل ذلك من شأنه أن يضع على كواهلنا عددا كبيرا من الالتزامات هذه، تعود إلينا على درجة واحدة سواء فيما يتصل بواجبنا نحو أنفسنا بالذات، أو فيما له علاقة بواجباتنا نحو الآخرين في العالم، فنحن مسؤولون عن هذا الهيكل الحضاري الضخم الذي أقمناه من قبل، والذي يقتضينا الحال مراجعته من جديد، واستقصاء عناصر الإيجابية الإنسانية في مكامنه، ومحاولة الإسهام في تقدم العالم عن طريق العمل على تطوير هذه العناصر، والاستفادة منها في توسيع نطاق الثروة الحضارية الراهنة، ونحن مسؤولون أيضا عن اتجاهات الموقف التاريخي الحاسم الذي نقفه الآن، وننغمر على أساسه في مجال التفاعل مع العالم، والتجاوب مع مقتضيات الحياة الحديثة، ومسؤولون كذلك عن دورنا في العمل على تلافي المحذورات الأخلاقية والروحية التي تزخر بها هذه الحياة بكل ما لها من جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية ونفسانية وغيرها.

نحن مسؤولون إذن، وعلى أعلى مستوى تبلغه المسؤولية عند أمة من الأمم، التي تطمح لأن تصبح أمة طلائعية رائدة، وخاصة في عالم كعالمنا المعاصر، تنزع فيه الدول والتكتلات الدولية المختلفة، إلى أن يصبح كل منها في مستوى الطليعة الرائدة، وهذا ما يضفي على ثورتنا التطورية الحالية، أهميتها البالغة الملحوظة، ويربط بين نزوعنا التطوري هذا، وبين ما يقتضيه الواجب من أحياء لقيمنا الحضارية التليدة، وتوسيع لمدى فاعلية هذه القيم: وتركيز أساسات لها في خضم العصر النووي هذا الذي نعيشه، على أن القضية التي تبقى ـ على أي حال ـ قائمة في هذا المضمار هي على الأخص قضية الجانب الإنساني من ثورتنا التطورية الحالية .. هذا الجانب الذي لا يقاس بالطبع بالجوانب الأخرى من آلية وإنتاجية وغيرها .. لأنه أشد منها تشعبا وتعقيدا، ولأنه يفوقها من حيث ما يحمله من التزامات حاسمة سواء على الصعيد التاريخي، أو غيره، ولأنه أخيرا يستقطب كل ما عداه من هذه الجوانب الأخرى ويجعلها تدور حول محوره وتنصب في بؤرته بصورة مركز، والجانب الإنساني هذا يتمثل في مشكلة التوفيق بين تطور الفرد أو الجماعة عن طريق التداخل في منهج الحياة عند هذا أو أولئك ومحاولة تعديل الصورة الخارجية لهذه الحياة، بما يدخل في نطاق ذلك من مؤثرات فكرية أو آلية أو تنظيمية أو غيرها، التوفيق بين كل هذا وبين ما يقتضيه الحال من حفاظ على المقومات الإنسانية الأصيلة، واستمساك بقيم أو مأثورات قديمة ولكن عظيمة القدر ذات أساس تقدمي صحيح إلى غير هذا وذاك مما يتصل بأوجه التناقض الممكنة أحيانا بين طفرة التطور الحاضر، والارتباط بالماضي في أعمق موروثاته أصالة وإيجابية وإنسانية والأزمة العالمية الحاضرة تعود في بعض اعتباراتها إلى تأثير هذه القضية بالذات، قضية الإنسان وانفعالاته بالتطور العالمي الراهن، والمشاكل النفسانية والفكرية والتاريخية التي تخلقها طبيعة هذا التطور واتجاهه على وجه من الوجوه، غير أنه من اللازم أن نلاحظ بأن وجه المشكلة على هذا النحو يبدو على أكثر ما يكون حدة واشتداد خاصة بالنسبة إلى الأقطار المتقدمة التي ترتاد آفاق التطور العام في عالمنا المعاصر، أما في الأقطار المتخلفة فإن المشكلة ـ على صعيدها ـ تبدو ـ بهذا الصدد ـ على وجه يختلف في بعض السمات واللمحات وتتجلى القضية على هذا الأساس ـ في تأثر الحضارات القديمة الخاصة بهذه الأقطار، وكسوف مظاهرها بالتدريج أمام الانطلاقات الإشعاعية الباهرة للمدنية الحديثة، وقد أثارت هذه الظاهرة بالفعل ـ وما يرتبط بها من آفاق واحتمالات ـ أثارت ـ في مناسبات عدة كثيرا من الجدل وتعددت الآراء حولها ووجهات النظر في موضوعها تبعا لتعدد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت