فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 24

بدأ تعلمه في (المسيد) حسب الطريقة المتبعة في ذلك العصر والتي استمرت إلى هذه السنين المتأخرة ففيه أتقن القراءة والكتابة، وحذق القرءان، وحفظ بعض المتون الفقهية والنحوية، ثم بدأ بعد ذلك يجلس إلى العلماء والفقهاء فيتلقى منهم علوم اللغة والدين وبعض الفنون الرياضية والطبيعية، ومن أكبر شيوخه الفقيه المؤرخ عبد السلام القادري، والعلامة الأديب أبو على الحسن اليوسي الذي نشد فيه:

من فاته الحسن البصري يدركه

فليأت للحسن اليوسي يغنيه

ومن الطبيعي أن يستلفت الطب نظر الدراق أثناء تعلمه، وان ينصرف إليه بالكلية بعد تخرجه، لأن بيته عريق فيه أصيل، فهو طبيب ابن طبيب ابن طبيب، ولا جرم أن والده كان أستاذه في هذا العلم، عليه تلقاه، ومن فمه أخذه، وبخزانته استعان، ومن تجاربه استفاد حتى برع فيه ومهر، وذاعت شهرته وانتشر ذكره، وأصبح منزله مقصدا لكل من مسه الضر قريبا من بلده أو بعيدا عنها، وكان توفقه في معالجة مرضاه كفيلا بان يصل بينه وبين المولى إسماعيل، فلم يكد هذا الملك العظيم يأمر أمره ويعظم شأنه، ويجمع شتات المغرب ويوطد أركان الدولة الجديدة، حتى اصطنعه لنفسه، وجعله طبيبه الخاص، المسؤول عن صحته، وسلامة ذاته، وآسى أولاده وزوجاته، وقربه منه وألزمه أعتابه، فصار لا يفارقه في سفر ولا حضر، وأحله محلا رفيعا لم يحل فيه غيره، حتى أصبح (تقف ببابه الوزراء فمن دونهم وقوف المماليك بأبواب الملوك ... وكانت له مكانة عظيمة لم يلحقها غيره، بحيث لا ترد شفاعته، ولا تهمل إشارته وكان مضربه ومنزله في الأسفار أعظم من مضرب اكبر العمال) كما يقول النقيب الزيداني في اعلام الناس (: 400) .

ويظهر أن الدراق كان واسع الحكمة، عظيم الذكاء، حسن التصرف وهو يختلط بالأسرة المالكة ويقوم بالواجب نحوها بالغدو والرواح، فقد كان يعرف قدره ويجلس دونه، ويقصر نشاطه على عمله الذي يؤديه باقتدار وإخلاص، متحببا متوددا إلى جميع من تحدق بهم أسوار دار المخزن، من غير أن يدلي دلوه فيما لا يعنيه من شؤون الدولة وسياسة الملك، وهذا ما أبقى له الحظوة عند أبناء المولى اسماعيل بعد وفاته، فقد عرف له المولى علي والمولى عبد الله فضله واستقامته، وحافظا له على القيمة التي كانت له في حياة والدهما، ورعيا له منزلته القديمة لديه، واستمرا على عهده معه في العطف عليه والرفق به والتودد إليه، وما من أبناء المولى إسماعيل إلا من عولج على يديه وشفي من ألم أصابه، أو مرض تعرض له، وما منهم إلا من آمن بإخلاص الرجل لمهنته، واقتنع بصواب رأيه في الابتعاد عن الخلافات التي نشأت بينهم بعد وفاة أبيهم، فلم يحاولوا الزج به في خضمها، ولا إلقاءه في تنورها، وقنعوا منه بالطبابة والعلاج، مغدقين عليه العطاءات الجزيلة، مقطعين إياه الاقتطاعات الواسعة، وهم يرونها قليلة في حقه، غير وافية بما يستأهله من مبرة وإكرام.

لقد أفادته هذه الإنعامات الملكية فائدة جلى، واعانته على زيادة التبحر في الطب والتعمق في معرفة عوارض الأمراض وخواص العقاقير، ففرغ لها خالي القلب، مستريح البال، غير مشغول بحاجات أهله، ولا مهموم بضرورة الحياة واثقالها، فأصبح عالما من اعلام الطب بالمغرب، ومفخرة من مفاخر العصر العلوي.

ولقد حافظت لنا كتب التراجم على بعض الحكايات التي تدل على علو كعب الدراق في الطب وطول باعه، ومهما يكن في بعضها من زيادات أو مبالغات فإنها تدل على الهالة التي نسجتها حوله براعته في ذلك العلم ومهارته.

منها ما يحكي من أن شخصين أرادا أن يختبراه في الطب، وكان من عادته أن يحلل بول المريض ويتعرف منه على مرض صاحبه، فأتاه الشخصان المذكوران بزجاجتين، في إحداهما بول كبش، وفي الثانية ماء مطر راشح من سقف بيت قديم، وادعيا انه بولهما، ووقفا مع الواقفين ينتظران دورهما، فجعل الدراق يحلل الابوال ويصف لكل مريض علاجه، وأخر صاحب بول الكبش وصاحب قطرة السقف حتى فرغ من شأن المرضى الحقيقيين، ثم ناداهما فقال لصاحب الكبش: مريضك غلب عليه الشحم فإن لم تذبحه عن قريب مات. وقال لصاحب السقف: اجعل له حريرة وإلا سقط عليك، وأراد أن يوجههما إلى الحاكم ليزجرهما، ثم عفا عنهما.

ومنها انه كان يمر على طراز برأس الشراطين بفاس، فيسمع صانعا يترنم ببعض الأبيات الشعرية فيستحسن غناءه ويقف ليسمعه، فمر يوما فوجد صوته متغيرا، فطلع على الطراز الذي يشتغل فيه، وطلب الآنية التي يشرب منها الصانع، فكسرها، فوجد بداخلها وزغة، فقال: هذه التي غيرت صوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت