فهرس الكتاب

الصفحة 4755 من 5287

وهي خمسة: اللفظ والإشارة والإيماءة والعقد (أي الحساب) والخط، ويذكر شواهد لكل دلالة، ومن هذا الحديث يقفز إلى معنى البلاغة عند العرب والفرس والهند والروم. وكعادة أبي عمرو في الاستطراد يذكر أسماء البلغاء ثم تعريفاتهم واستحسانهم لأوصاف معينة في البليغ كالجهورة والتشادق وترصيع الكلام بالآيات والأبيات الشعرية ولكن الجاحظ يطفر بغتة إلى بقايا ثمود، ثم يفرد للصمت وفوائدها صفحات من كتابه، ولكنه يتركه إلى الكتابة عن النساك، والزهاد وعلماء النسب، وخلال حديثه عن البلاغة وما يتصل بها كان يجنح الفينة بعد الفينة لذكر الاستشهاد أي للخروج عن الموضوع بذكر ألوان الطعام مثلا.

ومن هذا المزيج العجيب في الموضوعات وتداخلها ينتقل الجاحظ إلى الألقاب وغلبة بعضها على الأسماء الحقيقية لأصحابها، ثم يتحمس في الرد على الشعوبية التي عابت على العرب اتخاذهم للعصى والقناة أثناء الخطبة، ثم يختم كتابه بما قيل عن فصحاء العرب وحزمهم وشدتهم مثل زياد بن أبيه والحجاج الثقفي.

محاولة منهجية لحصر مواضع الكتاب:

نستطيع من هذا العرض الموجز للجزء الأول من البيان والتبيين الذي تنيف صفحاته على 420 أن نتبين الصعوبات التي تعتري الباحث في تصنيفه فهو أشتات لأبواب مضطربة متداخلة، وسنحاول حصرها تحت ثلاثة عناوين رئيسية هي:

1)الكلام البليغ. 2) البلغاء. 3) الاستطرادات وهي نوعان:

أ) ـ استطرادات تتصل بالموضوع العام.

ب) ـ استطرادات لا تتصل بالموضوع العام.

ملخص لهذه الأقسام

1)الكلام البليغ:

قيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وقيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال معرفة الفصل والوصل. وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الأشارة (*) » ويقول الإمام إبراهيم بن محمد: «يكفي من حظ البلاغة إلا يؤتي السامع (*) » ويقول الجاحظ معلقا على قول الإمام إبراهيم: أما أنا فأستحسن هذا القول جدا.

وقد اتفقت أكثر أقوال البلغاء بأن البلاغة الإيجاز، وإن اختلفوا في تحديد مفهوم هذا الإيجاز فقد سأل معاوية صحار بن عياش العبدي: ما الإيجاز؟ فأجاب: هو حذف الفضول وتقريب البعيد، وقد مدح العرب الكلام الجزل الصافي الخالي من التكلف. وـ عن الجاحظ «إن الاستعانة بالحوشي من الألفاظ عجز وتقصير» وكان العرب يودون أن توافق الألفاظ معانيها فتحمل أو تسف في المحل المناسب لكل منهما، يقول الجاحظ: ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الإعراب فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها أو مخارج كلام المولدين والبلدين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير، وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب أو أن تتخير فيها لفظا حسنا فإن ذلك يفسد الإمتاع (*) ».

وارتأى العرب أن يعتني البليغ بالأسلوب في غير صنعة أو تكلف فإنه «ليس للبليغ أن يهذب أسلوبه وينقحه ويصفيه ويروقه حتى لا ينطبق بلب اللب .. فإنه إن فعل ذلك لم يفهم عنه إلا بأنه يحدد لهم إفهاما مرارا وتكرارا لأن الناس كلهم تعودوا المبسوط من الكلام وصارت أفهامهم لاتزيد على عادتهم» وعابوا السجع في الكلام لأنه مدعاة للافتعال «ولأن كهان العرب الذين كان أكثر أهل الجاهلية يتحاكمون إليهم .. كانوا يتحاكمون ويتكهنون بالأسجاع (*) » واستحسنوا أن يتضمن الكلام البليغ استشهادات من المنظوم والمنثور إن كان قرآنا أو حديثا، وعابوا فيه وحشية اللفظ وغرابة المعنى.

*) البيان والتبيين ص 111. *) نفس المصدر ص 120. *) أيضا ص 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت