فهرس الكتاب

الصفحة 4876 من 5287

إلى إنهاء حرب كوريا، وذلك في نطاق سياستها العامة القائمة كما ذكرنا على تفادي الاصطدام بين الدول الكبرى وتلافي العواقب التي يمكن أن تنشأ عن حدة التناقضات السياسية والإيديولوجية بين الجهات الدولية الأساسية المتنابذة في العالم، وكما كان للهند دور بارز في ظروف نهاية الحرب الكورية وذلك إلى حد أن السلطات الهندية نفسها هي التي تولت الإشراف على ترحيل الاسارى الصينيين والكوريين والشماليين إلى أقطارهم الأصلية، فإن دلهي كذلك قد سلكت سبلا ايجابية ملحوظة في موضوع حرب الهند الصينية وسارت بعيدة في مجال التوفيق بين الأطراف المعنية في النزاع المسلح الذي كان قائما بالمنطقة، وعندما تم التوقف عن إطلاق النار بين القوات الفرنسية من جهة وثوار الفيتمينة من جهة أخرى كان الوفد الهندي هو المضطلع برئاسة لجنة الهدنة التي عهد إليها بالسهر على تطبيق الاتفاقيات المعقودة بجنيف سنة 1954.

وما زالت سياسة الهند التوفيقية بعد ذلك تتطور اتجاها وتتسع أفقا وتنزع إلى استيعاب مختلف المشاكل العالمية الكبيرة، كالتسابق النووي، ومناطق الاحتكاك الدولي، وفكرة اللجوء إلى الحرب لفض المنازعات وغير هذا وذلك مما يستبد باهتمام العالم ويؤثر على أوضاعه، وقد يكون مما يلائم طبيعة هذه العقلية التوفيقية أن تنجح الهند في الاتفاق مع الباكستان حول معضلة كاشمير المزمنة إذ أنه لا يبدو مفهوما جدا أن تعجز دولة تتركز كل اهتماماتها على قضايا التوفيق والملاءة بين أقطار العالم أن تعجز مثل هذه الدولة عن حل مشكلة تعتبر إلى جانب النزاع مع الصين من أكبر المشاكل الدولية التي تمسها في الصميم.

وقد أمكن للهند أن تصل في دائرة التعايش السلمي إلى تصفية معضلات حادة مع منازعيها من الدول الكبرى، ولم تتوقف في ذلك على معارك أو اصطدامات واسعة ومن أهم الأمثلة على ذلك قضية المراكز الفرنسية السابقة بالهند التي استطالت السيطرة الأجنبية عليها زهاء قرنين، ولكن ما أن ارتقت الهند على درجة الاستقلال سنة1947 حتى بدأت المفاوضات حول هذه القضية بين باريس ودلهي وما زالت التعقيدات تزاح حول الموضوع حتى اعترفت فرنسا سنة 1954 بالاستقلال الواقعي لهذا المناطق، ثم بالاستقلال القانوني لها بعد ذلك بوقت طويل، والذي يبدو معقولا جدا أن ضرورة الوفاق مع الباكستان الجارة الكبرى هو أهم بكثير من أي حالة وفاق معينة تحصل على الدول الأخرى ولو أن مبدأ المسألة على العموم يجب أن يسود في الأحوال المعقولة جو العلاقات العامة بين أمم العالم وشعوبه، ولعل من بين أحسن التطورات الإيجابية التي أسفر عنها لحد الآن واقع الصراع الدامي مع الصين أن بدأت أفاق محدودة للتفاهم تلوح من بعيد بين الهند والباكستان وعلى الرغم من أن المفاوضات الأخيرة حول المشكل لم تفض بالفعل إلى نتائج عملية فإن الأمل لا يزال معقودا على الإمكانيات السيكولوجية الحسنة التي أصبحت تتوافر عند الجانيين، هذه الإمكانيات التي من اللازم أن تقود إلى إنهاء نزاع طال مديدا ولم يكن هناك موجب معقول يقضي بضرورة استطالته أبعد مما تقدم.

إن التطورات الحديثة بآسيا وخاصة على صعيد العلاقات بين «بيكين» و «موسكو» وفي مجال السياسة الشيوعية الصينية خاصة، هذه التطورات من شانها أن تقود مختلف القادة في الشرق الأقصى إلى مراجعة إستراتيجيتهم السياسية والدبلوماسية وتكييف هذه الإستراتيجية على ضوء الحقائق التي تنم عنها التطورات الواقعة والآفاق والإرهاصات التي تتراى من خلال كل ذلك ومن دون ريب فإن تحولا فكريا من هذا القبيل لابد يكون قد أصبح ذا تأثير على قطاعات هامة من الرأي العام بشبه القارة الهندية الأمر الذي من الطبيعي أن يساعد على افتتاح سبل أمام المشكلة القائمة بكشمير، ويبعث على التماس حلول معقولة لها وبصورة حاسمة إلا أن الذي سيبقى أساسيا في الموضوع هو أن تزداد عوامل هذا التحول وتتركز حوافزه على أصول غير واهية أو متأرجحة وذلك ما من شأنه أن يؤدي إلى توضيح كثير من الأحوال بمنطقة المحيط الهندي وشرقي القارة الأسيوية ويذهب بقضية السلام والاستقرار الدولي في هذه الربوع بعيدا إلى الأمام.

سلا: المهدي البرجالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت