فهرس الكتاب

الصفحة 4950 من 5287

على أن نتولى نقله إلى غيرنا من بني البشر المستقرين على غير هذه الأرض، فكما كان المغرب رسول الحضارة القابسية إلى أروبا الغربية في عصور ما قبل التاريخ فكذلك كان المغرب رسول الحضارة الإسلامية إلى الغرب يوم أن عبر طارق بحر الزقاق ناقلا بذرة هذه الحضارة من الأراضي المغربية الإسلامية إلى الأراضي الإسبانية من جنوب أروبا وفي هذه الأرض من جنوب أروبا عمرت هذه الحضارة ثمانية قرون كاملة، ومن هذه الأرض من جنوب أروبا انتقلت هذه الحضارة إلى كل أصقاع أوربا حيث كانت هجرتها من أكبر العوامل المنشئة للمدينة الغربية الحالية، ولقد كان من أنصاف الدكتور كوستاف لوبون للإنسانية ولحضارتنا الإسلامية أنه تمنى أن لو عم الإسلام الذي نقله المغاربة إلى إسبانيا إذ ذاك كل أقطار أروبا وأنقذها كما أنقذ إسبانيا من ظلمات القرون الوسطى كما قال، ولقد عقد هذا العلامة المنصف من كتابه «حضارة العرب» فصلا طويلا تحدث فيه عن مبلغ الفضل الذي تدين به الحضارة الغربية الحاضرة للحضارة الأندلسية في جميع ميادين مختلف العلوم والفنون التي نقلها الغربيون عن لغة العرب يوم ذاك، ثم ختم كلامه متحدثا عن المغاربة الذين كانوا واسطة لنقل هذه الحضارة إلى إسبانيا قائلا: «إن العرب مدنوا البرابرة الذين فضوا على دولة الرومان، وأنهم فتحوا لأوربا باب المعارف العلمية والأدبية والفلسفية التي كانت تجهلها.

7)المغرب والحضارة الغربية:

وكما أن الحضارة الغربية الحالية اعتمدت إبان نهضتها في القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين على عاملي الأحياء والاقتباس، وإحياء تراثها الهيليني الروماني القديم والاقتباس من حضارة أخرى كان لها تأثيرها الفعال في استمرار الحركة الإنسانية الذاتية في سيرها التحضري، هي الحضارة الإسلامية، فكذلك وحدو القدة بالقدة، اعتمدت الحضارة الإسلامية في بعثها الجديد في القرن التاسع عشر الميلادي على إحياء تراثها الإسلامي الأصيل، وعلى الاقتباس من حضارة جديدة اكتملت نموها، وأصبح لها من الحلول والقوة على شعوب الأرض القاصرة ما جعلها محل اعتبار للاقتباس والتقليد من الناهضين القاصرين المستيقظين من غفواتهم السابقة، هذه الحضارة الجديدة هي الحضارة الغربية التي غزت بجيوشها وأساطيلها وفنونها أراضي المسلمين وغير المسلمين، وأصبح لها بحكم الغلبة والسيطرة والعشرة والتداخل من التأثير على حيوياتهم الفردية والجماعية المادية والروحية ما هز أركان مجتمعاتهم هزا في الجوهر وفي العرض.

ولقد حاول المغرب ـ كما حاولت كثير من الشعوب الإسلامية ـ أن يقتبس من علوم الغرب وفنونه ما يتقي به شر سيطرته قبل أن يجلب عليه بحيله ورجله. فكما أرسلت مصر وغير مصر من شعوب آسيا والشرق بعثاتها الطلابية إلى كثير من مختلف العواصم الأروبية لتلقي الفنون والعلوم الجديدة كذلك أرسل المغرب في عهد السلطان الحسن الأول كثيرا من البعثات الطلابية إلى كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا لتلقي علوم الغرب وفنونه، غير أن أمر الله كان قدرا مقدورا فلقد شاءت سنة الله التي ليس لها تبديل، أن تذيقنا من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلنا نرجع، ولقد كانت الجملة القدرية التي أثبتها السلطان الحسن الأول في إحدى رسائله إلى الحكومة الإيطالية في موضوع الامتناع عن شراء بعض السفن الحربية قائلا: «ليس للعبد اختيار مع مولاه» كانت هذه الجملة معبرة أحسن تعبير عن كون الأحوال في المغرب إذ ذاك لم تساعد هذا الملك على ما أراده لبلاده من يقظة ونهوض تقية شر الأطماع الاستعمارية التي فضرت فاها لابتلاعه يوم ذاك، فلقد كان وعدا مفعولا أن تجوس جيوش فرنسا خلال هذه الديار، ولقد كان من الطبيعي أن تحل المدينة بحلول فرنسا هذه الديار، كما كان من الطبيعي أن تجلب هذه المدينة معها أكثر من مذهب. وأكثر من تيار فكري، وأكثر من عادة غريبة عن تقاليدنا وأخلاقنا، ولقد كان من الطبيعي كذلك أن يكون في بعض الأفكار وبعض هذه العادات وبعض هذه التقاليد الجديدة ما هو عنصر أساسي لإقامة كل حضارة من الحضارات الإنسانية المنشأة على هذه الأرض في مختلف الأمكان، وبعضها الآخر طفيليات تلازم الحضارات كما تلازم الميكروبات الأجسام الحية، بعض هذه العادات وبعض هذه التيارات الفكرية قد أتت به هذه المدنية إلى هذه الديار بطريقة العفو والتلقائية على أساس أنه طبع من طبائعها، وتقليد من تقاليدها يرحل معها حيث رحلت، ويحل معها حيث حلت، وبعضها الآخر قد حضر تحضيرا، وأعد إعدادا قصديا من قبل ساسة هذه الحضارة وحكامها ومفكريها على أساس أن يكون «أفيونا» تقضي الحكمة الاستعمارية أن تطعم به عقلية إنسان هذه الديار المغلوب على أمره، ليصبح ذلك الإنسان يريده إنسان هذه الحضارة أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت