فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كانت صبيحة يوم من طليعة شهر أكتوبر، وكنت قد عزمت على زيارة منابع نهر الدويرة الذي يشق شبه الجزيرة حتى تنتهي أمواهه غربا إلى المحيط، فانتظمت في سلك المسافرين بالعربة التي تقطع الطريق من سربة إلى برغش متوجها إلى قرية تيدونس في منتصف الطريق بين البلدين، واتخذت مقعدي قريبا من السائق بين رفيقين أحدهما مهاجر عاد من المكسيك إلى قريته الصغيرة التي تكاد تخفيها أشجار الصنوبر، والآخر مزارع كهل كان عائدا من برشلونة بعد أن ودع ابنين له كانا عائدا من برشلونة بعد أن ودع ابنين له كان قد استقلا المركب إلى الأرجنتين، والواقع أن الراحل عبر هذه السهوب المترامية في أعالي قشتالة لا يكاد يمضي في طريقه حتى يلتقي بمن يحدثه قليلا أو كثيرا عن بلاد المهجر فيما وراء البحار.
ومضت العربة بنا في طريق برغش الواسع تاركين إلى يسارنا الطريق الموصل إلى أوسما (وخشمة) ، وقد حفت بجانبيه أشجار الحور الأسود التي بدأت أوراقها تضرب إلى الصفرة المذهبة تحت أشعة شمس الخريف، وخلفنا وراء ظهورنا سرية المنصوفة المتقاتلة التي ظلت قرونا طويلة محرسا من محارس قشتالة، وبابا تنطلق منه الجيوش النصرانية لقتال ممالك الإسلام في الأندلس. معبرا نفذ منه (السيد القمبيطور) إلى بلاد المسلمين حينما توجه إلى منفاه .. وتقدمنا نحن متجهين إلى النهر، نهر الدوبره الذي يحيط بسربة كأنه قوس أحكم الرامي تصويبه.
وكان المهاجر العائد من المكسيك يحدثني عن مدينة فيراكروث، غير أن سمعي كان يتتبع حديث المزارع الكهل مع سائق العربة، وكان يدور حول جريمة لم يمض على وقوعها إلا القليل، جريمة ذهبت ضحيتها فتاة راعية عثروا على جثتها يوما بين شجر الصنوبر ممزقة بطعنات خنجر، وكان قاتلها لم يكتف بما ارتكب حتى انتهك حرمة الجسد الميت، وكان المزارع في حديثه يرجج الاتهام الموجه إلى تاجر غني من تجار الماشية في قرية مجاورة كانت الشرطة قد قبضت عليه وأودعته سجن سربة منهما بارتكاب تلك الجريمة البشعة، غير أن المزارع الكهل كان يبدي شكوكه في قدرة العدالة على الاقتصاص منه إذ أن الضحية لم تكن إلا فتاة فقيرة، أقبلت أتسمع ذلك الحوار الدائر بين الرجلين، والناس في العادة لا حديث لهم في المدن الصغيرة إلا عن ألعاب التسلية والسياسة: أما في المدن الكبيرة فإن حديثهم لا يتجاوز الكلام عن الفن والأدب المكشوف، وأما في القرى والبوادي فالناس لا يهمهم إلا أعمالهم اليومية أو الكلام عن الجرائم .. اليومية أيضا .. واتصل الحديث بيني وبين رفيقي المزارع الكهل:
ـ أمبعد أنت سفرك؟
ـ إلى كوفاليدا يا سيدي، وأنت؟
ـ هذا هو طريقي أيضا، فأنا أريد الصعود إلى أوربيون، ثم أسير محاذيا وأدى الدويره، أما في طريق العودة فإنني سأهبط إلى مفترق الطرق في سالتاابنبس، ومنها إلى بنوبا.
ـ أعانك الله على رحلتك حين تصعد إلى أوربيون، فالجو في هذه الجبال ينذر الآن بعاصفة.
ووصلنا أخيرا إلى نيدونس، فهبط المزارع من العربة وهبطت معه، وودعنا المهاجر القادم من المكسيك، وكان عازما على مواصلة السفر بالعربة إلى سان أيوناردو، أما نحن فقد اتخذنا طريق بنوبا على صهوتي جوادين.
وأنا أذكر أنه لم تسمح لي فرصة الحديث مع المزارعين ألا توجه تفكيري إلى مدى ما تحيط به حكمة هؤلاء الرجال وعلمهم مما نجهله نحن، ثم في قلة اهتمامهم بما نعلمه نحن مما يجهلون.
وكان الكهل يتقدمني في السير واجما صامتا، فأهل هذه البقاع يتميزون بالجد والصرامة، لا يتحدث الرجل منها إلا مجيبا على سؤال، فإذا فعل فإن إجابته تتسم بالإجمال والاقتضاب، وإذا لم يرقه السؤال فإنه لا يكاد يولي محدثه شرف الرد عليه، وهو لا يفيض إلا إذا سئل عما يحسن معرفته أو إذا تحدث عن الأرض وفلاحتها وما تتطلبه من أعمال.
وعدت أرجع بصري في القرية التي مررنا عليها وخلفناها من ورائنا، وكان أبرز ما فيها صومعة كنيستها العالية التي اتخذت طيور الحجل من قمتها مستقرا لأعشاشها، وهي منتصبة تطل على عدة بيوت مبنية من الطين، وعلى الطريق الرئيسي الذي يشق القرية بيت ريفي حديث بناه أحد المهاجرين العائدين من بلاد المهجر، وعليه مسحة من الترف والنعمة تبدو في السور الحديدي الذي يحيط به والحديقة الصغيرة التي تحف جنباته، فإذا خرجت من القرية بدت لك سلسلة من الصخور الجرداء الرمادية اللون تتخللها شقوق كبيرة تضرب إلى الحمرة.