فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومضينا في السير نحو ساعتين، حتى وصلنا إلى قرية مويدار التي تقع في منتصف الطريق بين تيدونس وبنوبا، ولم نغادر القرية بخطوات حتى اجتزنا قنطرة خشبية صغيرة تعترض مجرى الدويره.
وأشار رفيقي المزارع إلى اليمين وقال:
ـ هذا الطريق الجانبي يوصل إلى أرض البرجونثالث: حقول فسيحة كانت فيما مضى أجود ما في هذه البقعة وأخصبها، أما الآن فقد حلت عليها اللعنة ..
فتساءلت في فضول:
ـ البرجونثالث هو اسم صاحب هذه الأرض أليس كذلك؟
ـ البرجونثالث كان من أغنى زراع هذه الناحية، أما الآن فلم يعد هنا أحد من عشيرته يحمل هذا الاسم، لم يبق ما يذكر بالبرجونثالث، إلا اسمه يطلق على القرية التي كان يقيم فيها وعلى الحقول المحيطة بها، ولو أنك اخترقت مروج هذه القرية لوصلت إلى بنوبا قبل أن نفعل فيما لو اتبعت الطريق الآهل المسلوك، غير أنها في الشتاء غير مأمونة، وذلك أن البرد والجوع يحملان الذئاب على الخروج من الغابات المجاورة باحثة عن صيد لها في هذه النواحي، وما أكثر ما يسمع مواؤها المسعور إذا ما اقتربت من حقول البرجونثالث التي كانت فيما مضى كثيرة الزرع وأصبحت اليوم قفرا خرابا .. وأما حديث البرجونثالث فقد قصه علي منذ صغري أحد الرعاة هنا، وأنا أعرف أن بعضهم قد سطره على الورق، وإن الشعراء العمي كثيرا ما يتفنون به في أرض برلانجا.
ورجوت المزارع الكهل أن يقض على ذلك الحديث، قلبي الرجل رغبتي ومضى يقول:
ـ 2 ـ
حينما توفي والد البرجونثالث كان لا يزال صبيا بعد، ولكنه ورث عنه أرضا طيبة ومالا ليس بالقليل، فقد كانت له دار كبيرة تحف بها مزرعة وبروج نحل، ومرجان واسعان جيدا المرعى، وحقول للقمح والذرة، وعدد وافر من أشجار البلوط غير بعيد عن القرية، وعدة بغال للحرث، ومائة شاة، وعدد من الكلاب الأصلية التي تستخدم في الصيد أو حراسة الماشية.
وتعلق الفتى بصبية جميلة من قرية غير بعيدة من أرض برلانجا، ولم يمض عام واحد حتى اتخذها زوجا له، وكانت بولونيا ـ وهذا هو اسم الصبية ـ واحدة من إخوات ثلاث، بنات مزارع من عائلة يدعونها «ببري ايبانيت» وكانت كبرى إخواتها وأجملهم، أما أسرتها فقد كانت واسعة الثروة فيما مضى، ولكنها في ذلك الوقت كانت متوسطة الحال، لا إلى فقر ولا إلى ثراء.
وما زال الناس هنا حتى الآن يتحدثون عن الفخامة التي احتفل بها في زفاف البرجونثالث في قرية عروسه أولا ثم في القرية التي كانت تحمل اسمه، كان هناك عازفون على القيتارة وضاربون للأعواد وهازجون بالنايات وقارعون للطبول وراقصة على طريقة أهل أرغون ومطلقون للصواريخ على ما جرت به عادة أهل هذه البقاع الممتدة من أوربيون حيث يولد نهر الدويره حتى يختفي مجراه هناك على مقربة من برغش، ما زالوا يذكرون الولائم المقامة بمناسبة زواج البرجونثالث، وما زالوا يشيدون بروعتها وبهائها، فالشعب هنا لا ينسى أبدا ما يرى له بريق وما يسمع له دوي مهما تطاول به الزمن.
وعاش البرجونثالث سعيدا بين زوجة محبة مخلصة وبسطة من المال عليه مغدقة، وأنجبت له امرأته ثلاث أبناء، فوكل إلى أكبرهم العناية بالمزارع وبأبراج النحل، وعهد للأوسط بأمر الماشية. وأما الأصغر فاته وجه به أوسما (وخشمة) لكي يقبل على العلم، وذلك أنه كان قد نذره لخدمة الكنيسة.
ما أكثر ما يجري في عروق المزارعين من دم قابيل قاتل أخيه، وما أسرع ما تشتعل جذوة الجد بين الإخوة بعضهم والبعض على عرض من أعراض الدنيا الزائلة، ولم تكن دار البرجونثالث في ذلك بدعا، فقد تسللت إليها ثعابين الحسد منذ أن تزوج ولداه من امرأتين حملتا معهما إلى دار الرجل الطيب نوازع الشر والشقاق، لا ما كان يؤمله من امتلاء الدار وكثرة الولد، لم يكن للخبيثتين هم إلا الإرث الذي سيقدر لهما بعد موت البرجونثالث، وكانتا لأثرتهما وبطرهما لا تكادان تحسان بما هما فيه من نعمة ويسارـ بل نغص الطمع عليهما لذة الحياة وحرمهما من كل شعور بالمتعة والطمأنينة.
وأما أصغر الإخوة فإن المصير الذي كان يريده له أبوه بين جدران الدير لم يكن يروق له، فقد كان يؤثر العيون النجل على ترديد الصلوات ومعاناة