فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لغة اللاتين، فما لبث في يوم من الأيام أن خلع عنه مسوح الرهبنة، وقد صح عزمه على ألا يعود إليها بعد، وانطلق من الدير عائدا إلى دار أبويه معلنا إليهما أنه راغب في ركوب البحر إلى بلاد المجر, إذ أنه كان دائما يحلم بجوب الأرضين وخوض البحار والتملي بمطالعة آفاق جديدة غريبة.
وما أكثر ما بكت أمه، أما أبوه ـ وقد عجز عن أن يثنيه عن عزمه ـ فإنه باع قطعة جزلة من جيد أرضه، وأعطاه من المال ما قدر أن يكون نصيبه من تركته لو حلت به المنية، وقال له وهو يودعه:
ـ خذ هذا المال يا بني فهو حقك، واذهب إلى حيث تريد، كان الله معك أينما توجهت، واعلم أن لك على أية حال نصيبا في كسرة خبز وسقف يؤويك في هذه الدار طالما كان أبوك حيا، أما إذا مت فإن كل هذا سيصبح من نصيب أخويك.
الشيب قد وخط سوالف البرجونثالث وأسبغ عليها لون الفضة، والزمن كتب على جبينه سطور التجاعيد ولو أن أكتافه ظلت قوية مفتولة، ورأسه ما زال منتصبا شامخا.
وفي صباح يوم من أيام الخريف يخرج البرجونثالث من داره وحيدا، لم يصطحب معه كلاب صيده، ولم يعلق على ظهره بندقيته، ولم يتزود بما اعتاد الصيادون أن يتزودوا به حينما يخرجون إلى مثل ذلك من أمرهم، مضى البرجونثالث في طريقه طويلا تظلله أشجار الجوز المصفرة التي تحف بشاطئ النهر، وأدركه التعب بعد أن بلغ عينا تسح بالماء في وسط خميلة كثيفة، وتوقف الكهل هناك ليجفف العرق المتصبب من جبينه ويبلل حنجرته برشفات من ماء العين، ثم توسد ذراعه واستلقى على العشب الأخضر ..
ونظر البرجونثالث إلى السماء العريضة في وحدته وكأنه يخاطب الله قائلا:
«حمدا لك يا رب، لقد باركت في هذه الأرض التي تشقها وترويها يداي، فلم يخل منها بفضلك خبز على مائدتي، ولا امرأة طيبة في فراشي، ولا بنون أقوياء انحدروا من صلبي، بنعمتك يا رب أصبحت أرضي تغص ببيض الشياه، وامتلأت مناحلي بطيب الشهد، فاللهم أورعني أن أشكر نعمتك، فأنا أعرف مدى ما غمرتني به من فضلك، وحمدا لك قبل أن تقضي إرادتك بأن تزيل عني النعمة، وترفع الرحمة» .
وأقبل الرجل على صلواته وابتهاله حتى أخذته سنة من النوم، فقد كانت ظلال الأغصان المتماوجة وخرير الماء المنبعث من جوف الصخر كأنما تهيب به: «ثم أيها الرجل الطيب .. ثم واخلد إلى السكون» .
واستغرق البرجونثالث في النوم. ولكن نومه لم يكن على ما كان يشتهي من سكينة ودعة، فقد تتابعت على ذهنه صور متلاحقة مما يرى النائمون في أحلامهم.
ورأى البرجونثالث كان صوتا بعيدا عميقا بخاطبه، ولمحت عيناه مرقاة من نور نازلة من السماء إلى حيث اضطجع جنباه، وكأنها تلك التي تراءت ليعقوب عليه السلام في نومه، ولعل الأمر لم يكن يخرج عن بعض أشعة شمس الأصيل، وهي تتخلل أوراق الخميلة التي كانت تظلله.
وليس من السهل على أحد أن يؤول ما يراه النائمون من تلك الرؤى التي تقتحم مخادع أفكارنا ومشاعرنا، فتفرق بين مجموعها وتدس بينها ذكريات مندثرة ومخاوف وأوهاما مستقبلة، هناك كثيرون ممن يزعمون لأنفسهم القدرة على تأويل الأحلام، ولكنهم كثيرا ما يخطئون وقليلا ما يصيبون، ولا سيما إذا تعلق الأمر بهذه الأحلام المزعجة التي تجثم على فؤاد النائم وتقض مضجعه، إذ أن الغالب عليها هو أنها صور منعكسة من ذكريات ماضية تتناولها بالتشكيل والصياغة يد خرفاء مرتعشة .. يد تلك الشخصية التي لا نراها وإن كانت تربض في أعماق نفوسنا جميعا: الخوف.
وكان البرجونثالث يحس كما لو أنه عاد إلى أيام طفولته، وكأنه بالموقد الذي تنبعث منه السنة اللهيب والسعادة، وحول النار انتظم أبواه وإخوته، ويد أبيع المغضنة تداعب الحطب المتوهج الأشقر بينما أقبلت أمه على دعائها وبين أصابعها مسبحة سوداء، وعلى الحائط الذي سوده الدخان قد اتخذت مكانها تلك الفأس المتألقة التي كان العجوز يستخدمها في تكسير أعقاب الشجر.