فهرس الكتاب

الصفحة 5012 من 5287

بالمصلحة العامة، أما بالمن عليهم بالعتق، أو الفدية، أو الجزية، أو القتل، أو الاسترقاق، ولا يخفى أن الثلاثة الأقسام الأولى كلها من قبيل العتق وإطلاق الحرية التامة للرقيق، ومنها عتق رقبة مؤمنة عل كل من قتل غيره خطأ، ومنها نذو العتق والتزامه، والعتق بالسراية، كما إذا أعتق بعض مملوكه، أو أعتق حضنه من مملوك مشترك له مع الغير كما ذلك مقرر فيها وكفارتا اليمين، والظهار، وفي بعض الأحوال، وكفارة المفطر عمدا في رمضان في بعض الأحوال، وكإيلاده لأمته.

وفوق كل هذا دعا الناس ورغبهم في العتق مطلقا بمثل قوله (ص) كما في الصحيحين: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه حتى فرجه بفرجه) وبالخصوص في مثل الكتابة والتدبير وفداء الأسرى من أسرهم ولو من مال الزكاة أو مطلق مال بيت المال أو أموال الأفراد.

قرر الإسلام كل هذا في حق المماليك بعد ما اعترف برقبتهم لمالكيهم ريثما يقل الملك بين الناس أو ينقطع بالكلية كما هو المشاهد اليوم في زماننا.

أما أولا فلان الأمم الإسلامية لن تبق لها قدرة على الحروب اليوم لضعفها وعجزها وتفرق شملها، ولا يخفى أن أصل الرق إنما هو آت من الحروب واستيلاء المحاربين على رقبات محاربيهم وتوزيعهم فيما بينهم.

وأما ثانيا فإن الدول العظام في الوقت الحاضر قررت أن أسرى الحروب لا يملكون، ويوزعون بين المحاربين كما كان الشأن في القديم، وإنما يبقون بيد الدول المحاربة إلى أن يتفق في شأنهم.

ودول الإسلام اليوم لا قدرة لها على خرق هذا الاتفاق لضعفها كما قدمنا.

نعم الإسلام لم يفعل شيئا آخر فيما قرره من ولاية النكاح لما في ذلك من المصلحة الراجحة إذ لو أعطى للأنثى الحرية التامة في اختيار الزوج لربما اختارت زوجا غير كفء لها، فكان ذلك ضررا على مجتمعها، وكذلك لم يقرر شيئا آخر في الإرث غير ما قرره أولا من جعل نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى لما على الزوج من كلف العائلة وغيرها دون الأنثى وبالله التوفيق أما القسم الثاني وهو ما كان شائعا في الأمة وهو ضار بالأخلاق والمجتمع، ولكنه غير شائع شيوع القسم الأول، وذلك كالخمر والميسر والربا، فإن هذه الأمور لم تكن شائعة بين الأمة كلها إذ الأمة التي كان يصل بها الفقر إلى أن تمكث الليالي الطوال ولا تجد ما تقتات به سوى الكلا وما أشبهه لا تطول يدها كل الطول أن تتخذ الخمر ديدنا، إذ الخمر إنما هو من دواعي الرفاهية والغنى، وقل مثل ذلك في الميسر والربا، ولذلك قضى عليه الإسلام بالكلية، وذلك بمثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) وبمثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين .. الخ) .

أما القسم الثالث وهو ما كان شائعا في الأمة شيوعا مطلقا كالقسم الأول أو أكثر ولكنه غير ضار بالأخلاق ولا بالمجتمع كالبيع والكراء والتمتع بامرأة واحدة والطلاق الذي دعت إليه ضرورة الاجتماع بين الزوجين فقد أباحه الشارع إباحة مطلقة من غير مراعاة زمان ولا مكان ولا أحوال اجتماعية خاصة، ودللت بمثل قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) بناء على أحد التفسيرين في الآية، وبمثل قوله تعالى (ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فهاتان الآيتان يدخل فيهما عقود الكراء وما شابهها من عقود المعاملات، وبمثل قوله تعالى في الزوجية (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الواردة في مثل هذا الموضوع.

أما ما كان من مراعاة الاجتماع في التشريع لدا عصر الصحابة والتابعين واتباعهم فيظهر ذلك في استنباط الأحكام لديهم من الكتاب والسنة، وقد ظهر أثر ذلك فيما بين الحجاز وبين العراق، أما أهل الحجاز فحيث كان عيشهم بسيطا وأحوالهم الاجتماعية بسيطة تبعا لعيشهم، ولم تعقد أحوالهم مدنية راسخة ولا قوانين دولية، ولا اعتاد أهله ما اعترى الأمم المتمدنة من الانغماس في أنواع الملذات وكثرة الشهوات، والتطلع بسبب ذلك إلى الإفلات من مسؤوليات تشريع ما بضروب من وجوه الحيل. كان استنباط الأحكام من الكتاب والسنة لدا أولئك المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم وتطبيقها على أهل الحجاز من السهولة بمكان، وقل مثل ذلك في باقي جزيرة العرب ومصر والشام وأفريقيا والأندلس فإن أحكامها كلها كانت تبعا في التطبيق لأحكام الحجاز والمدنية المنورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت