فهرس الكتاب

الصفحة 5013 من 5287

أما العراق وما أدراك ما العراق، فإن المدنية الفارسية كانت راسخة فيه كل الرسوخ، وكذلك القوانين الفارسية ومن أجل ذلك كان يصعب فيه تطبيق الأحكام الشرعية على ظواهر نصوصها، فاحتاج المشرعون فيه إلى وجوه من التأويل وغيره لتطبيق بعض نصوص الأحكام الشرعية هناك فخالفوا أهل الحجاز في تشريعهم وكثر بينهم النزاع والخلاف حتى قال ربيعة وهو من أشياخ مالك لما استقدمه أبو العباس السفاح العباسي إلى العراق لاتخاذه مستشارا له هناك ورجع إلى المدينة حيث لم يرضه المقام هناك، قال ربيعة: رأيت قوما حلالنا حرامهم وحرامنا حلالهم، وقال أيضا كان النبي الذي بعث إلينا غير الذي بعث إليهم، وقال وكيع: والله لكان النبي الذي بعث بالحجاز ليس بالنبي الذي بعث لأهل العراق، وقال ابن شهاب الزهدي وهو من أشياخ ومجتهدي أهل المدينة يخرج الحديث من عندنا شبرا فيعود العراق ذراعا وقد طلب أبو جعفر المنصور من مالك وضع كتاب تجمع الناس عليه ويلزمهم بما فيه وأوصاه أن يجتنب فيه شواذ ابن عباس وشذوذ ابن عمر ورخص ابن مسعود وكان ابن مسعود استوطن من الصحابة العراق وتعاطى الاجتهاد وتطبيق الكتاب والسنة على الأحوال التي هناك.

ثم جاء الإمام الأكبر أبو حنيفة بن النعمان واتباعه، وتبعوا طريقة العراق في الاجتهاد والتشريع رعيا لحالة الاجتماع هناك، ولزمهم في ذلك تأويل بعض النصوص الشرعية كحكمهم على من لاط بذكر بالزجر فقط وعدم تطبيق أحكام الزنى عليه، أو عدم اعتبارهم بعض أحاديث الآحاد إذا عارضت القياس الصحيح، عللوا ذلك بأن الشريعة الإسلامية إنما أتت لسعادة البشر ورحمتهم قطعا، وإن ما يقضي العقل بأنه سعادة بطريقة القياس الصحيح للبشر ورحمة له أولى بالاتباع مما يكون مثار الظن كأحاديث الآحاد التي يظن أنها صدرت من النبي عليه السلام ولا يقطع بصدورها منه، وقد تصدى البخاري إلى الرد عليهم تلويحا في كتاب الحيل من صحيحه كثيرا وفي غيره قليلا وذلك فيما أجازه من الأعمال المخالفة لمقتضى بعض الآيات والأحاديث.

فهذا ما ظهر لنا في أسباب الخلاف الواقع في الاجتهاد في الأحكام بين أهل الحجاز وأهل العراق وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه تفطن قلبنا بأزمان متطاولة إلى هذه الأسباب، فإنه لما طلب منه هارون الرشيد أن يؤلف كتابا في الأحكام يعلنه على الكعبة ويلزم الناس بما فيه وتعلل له بأن أصحاب رسول الله (ص) تفرقوا في البلاد وكل منهم بلغ عن النبي عليه السلام ما سمعه منه فعمل به أهل تلك البلاد، فلذلك لا يقبل منه أن يلزم كل الناس بما رآه هو والف.

وبسبب مرونة الشرع الإسلامي وإمكان تطبيقه على أهل كل بلد بحسب عوائدهم وأحوالهم الاجتماعية كما رأيته بين تشريع أهل الحجاز وأهل العراق، كما تراه في اختلاف العلماء في كل زمان ومكان وترجيحهم من الأقوال بسبب مقتضيات وقتهم وبلادهم ما كان ضعيفا قبل ذلك أو تضعيف ما كان راجحا لهذا السبب حتى ألف العلماء المتأخرون ما ترجح وجرى به العمل في بلادهم من الأقوال الضعيفة بسبب ما اقتضى ذلك الترجيح، ومن هذه المؤلفات العمل المطلق والعمل الفاسي وشروحه، بسبب هذا كله وبسبب مرونة الشرع الإسلامي وقابلية تطبيقه على الناس في كل زمان ومكان قرر المؤتمر الدولي للقوانين المنعقد بهولندا في صيف سنة 1927 إن الشريعة الإسلامية تحمل العناصر الكافية التي تجعلها صالحة للتطور مع حاجات الزمان والمدنية، وقال الدكتور المجري المسلم الأستاذ بجامعة برابسة في كلمة له نقلها عنه مؤلف كتاب (لماذا أنا مسلم) بعد ترجمتها باللغة العربية، ليس في تعاليم الإسلام شيء لا يمكن تحقيقه عمليا وهي مفخرة عظيمة تميز بها عمن سواه إلى غير ذلك من أقوال العلماء المسيحيين الشاهدة بالفضل للإسلام وإمكان تطوره على مقتضيات الزمان والمكان.

بسبب مرونة الشرع الإسلامي وإمكان تطوره بتطور الزمان والمكان ينبغي لعلماء الإسلام بل يجب عليهم في هذا العصر وفي العصور المستقبلة أن يتهيؤا للاجتهاد ولا ستنباط الأحكام من الكتاب والسنة رأسا ومباشرة وتطبيقا على أحوالهم السياسية والاجتماعية وغيرها، فقد طال الزمان جدا بيننا وبين الأئمة المجتهدين الأربعة وأتباعهم واتباع أتباعهم، وتبدلت أحوالهم وأوضاعهم وأحوالنا وأوضاعنا، وحدثت في زماننا وسيحدث في الأزمان المستقبلة ما لم يكن يخطر ببال أولئك المجتهدين وأتباعهم حدوثه، حتى اضطر القابضون على زمام الدول الإسلامية في الوقت الحاضر ومنهم دولتنا أن يحدثوا أحكاما سموها (بالقوانين المدنية) لم يستقوها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت