فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص4

فالفكر الاجتماعي إذن لابد أن يكون مسبوقا بوعي سابق، مبني على عقيدة مسلم بها. وقد اختلط على البعض طريقة البحث عن تطبيق الخدمات الاجتماعية لتحقيق حلول المشاكل المعترف بها على وسائل النظر المعرفة ما إذا كانت هنالك مشكلة اجتماعية أم لا، مع أن محل الفكر هو تعريف المشكلة الاجتماعية، ومناط الخدمات هو طريقة حلها. فإذا نظرنا لمجتمع بائس فقير، فيجب قبل كل شيء أن نقتنع بان الفقر مشكلة، وان على المجتمع أن يحلها، أما إذا كنا ممن يؤمنون بان الفقر فضيلة، أو ممن يقولون بان الأنانية وحدها التي تستطيع أن تتحكم في مصير الأشخاص، فالضعفاء والذين لا يقدرون على الكفاح يجب أن يموتوا كما هو مذهب بعض الفوضويين، ووجودهم لا يكون مشكلة لأنهم إما أن يكافحوا للتغلب على القوت وأما أن ينقرضوا، أو إذا كنا من إتباع بعض الطرق المسيحية أو الهندية الذين يصومون أياما عديدات ثم يكتفون بالماء أو ببعض الحشائش ويعيشون مجتمعين في قرية خاصة، فمن العبث أن نحاول إيجاد فكر اجتماعي مبني على هذا الأساس. أما إذا اعترفنا بأن الفقر مشكلة فيجب حينئذ أن نبحث هل وجوده أمر طبيعي أم أنه ناشئ عن ظلم المجتمع وسوء توزيع الثروة، وحينئذ فيجب أن نكون ممن يؤمنون بأن الله خلق الناس كلهم ما في الأرض جميعا، وأن الأقل الحيوي حق لكل أحد. وحينئذ فقط تأتي مرحلة البحث: هل للفقراء حق معلوم في أموال الأغنياء يجب أن يؤخذ من هؤلاء ويرد على أولئك كما تقتضيه تعاليم الإسلام والنظريات الاشتراكية الحديثة، أم أن مسألة راجعة إلى طريق الصدفة الاختيارية كما هي مذهب المسيحيين وبعض أنصار «التضامن» من إتباع الديمقراطية الفردية.

وإذن فكلما حاولنا أن نقوم بعمل ما، أو نتخذ اتجاها، يجب أن ندرسه بعمق، ولكن لا يمكننا أن ندرس شيئا إلا إذا آمنا بمبادئ أولية تصبح من المسلم بها عندنا، وهكذا في البحث عن مشاكل الاجتماع وطرائق جلها، لا يمكننا أن ننفك عن عقيدتنا العامة التي تصاحبنا في ل الأحوال. وبما أننا مسلمون ومن أنصار التقدم في إطار الأسس الإسلامية، فلا يمكننا أن ندخل في ميدان العمل للمجتمع إلا على أساس أنه مجتمع إسلامي، وأن مصلحته في تقديم أخلاقه وفي إصلاح ما أعوج من شؤونه، بناء على ما تقضيه رغبته المبنية على العقيدة التي يؤمن بها.

وهنا تعترضنا بعض المسائل، التي يوجد لها مبرر مثلا في حكم المجتمع المغربي المبني على فهم الناس للدين فيها فهما خاطئا، فيجب قبل كل شيء أن نتفق مع مواطنينا على تقويم ذلك الفهم، وهذا كقضية تعدد الزوجات أو الطلاق مثلا، فقد جرى العرف باعتبارهما أمرا عاديا على الصفة التي كانا عليها، وقد أدى درس الحالة الاجتماعية إلى التحقق من بعض الأضرار الناشئة عن استعمالهما في غير حدودهما الشرعية. ولكن أصبح من الضروري أن يفهم الناس الحقيقة الإسلامية فيهما لينظروا إليهما نظرتهم إلى مشكل اجتماعي يجب حله، ولا لم يكن للقوانين مهما شرعت أثر عظيم في تكوين وعي اجتماعي أو فكر عام ضدهما. حقيقة أن من طبيعة المصلح أن بغير من أمر المجتمع، ولكن يجب انم يقنع الناس بان ما يدعوهم لتغييره أو إتباعه يتفق مع الإصلاح الذي يرغبون فيه، فالإصلاح كيفما كان يستند هو الآخر على عقيدة يجب الاقتناع بها أو نظرية يجب توضيحها للناس وجعلهم يقبلونها. وهكذا يتكون الفكر الاجتماعي من وجود الضرورة الاجتماعية التي يحس المجتمع بها ويتحرك للعمل لها بعد أن يكون حولها نظرية مبنية على المثل العليا التي يستوحيها من شعوره، ومن المبادئ التي آمن بها من قبل.

وإذا كانت علوم الاجتماع أو الخدمات الاجتماعية قد تقدمت تقدما محسوسا في الغرب الذي تأخذ عنه اليوم، فإن الاستعمار قد كون كذلك اجتماعيات المستعمرين، وحاول أن ينحرف بهم عن الاتجاه الصحيح الذي كان يجب أن يسيروا فيه، وقد أصبح الاجتماع كعلم، خاضعا للنظريات المختلفة، فاجتماعيات البورجوازية الأمريكية غير اجتماعيات المدنية الاشتراكية، واجتماعيات الدول الاستعمارية الغربية غير اجتماعيات الدول المستعمرة، ولكل من هذه كتب وآداب تقرأها فيخيل إليك أنها تمت للحقيقة بصلة، وما هي إلا تسجيل لواقع أدى إليه ظرف خاص ثم تفسيره بمقتضى ما تؤمن به كل طائفة وما زين إليها من ضروب معيشتها ونظرتها الخاصة للحياة.

ومن المعلوم أن الباعث الأول على الاستعمار هو إيجاد الأسواق الاقتصادية للدولة المستعمرة، وإيجاد اليد العاملة والجنود التي تحمي النظام الاستعماري، وقد استطاعت الدول الغربية أن تسخر لهذا الغرض كل الأسباب التي كانت في متناول يدها، ولكن السيطرة على بلد ما، لا تعني دوامها. لذلك فكر المستعمرات، تضمن لهم البقاء فيها على أطول أمد ممكن. وهكذا أصبح من الضروري العمل على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت