فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص5
تغيير الذهنية الأهلية، ومحاولة خلق رجل أهلي على صورة المستعمر، بحيث ترى الذي يحمل اسم (محمد) أو (عبد القادر) وكأنك ترى (جبريالا) أو (جاكا) -يفكرون تفكيرا واحدا ويحكمون على الأشياء حكما واحدا طبقا للمنهج الذي قصده المستعمر.
ولتحقيق هذا الهدف البعيد، فقد اعتمد المستعمر على عناصر ثلاثة مهمة:
الأول-اللغة
الثاني-المدرسة
الثالث-القانون
فقد بذل المستعمر كل ما في مستطاعه لإحلال لغته الخاصة محل اللغة القومية، فعل ذلك في المصالح العامة وفي التجارة وفي المدرسة وفي كل النواحي، ولم تمض مدة قليلة حتى أصبح الشباب في المستعمرات لا يتكلم في المسائل ذات الأهمية ولا يكتب حولها إلا بلغة المستعمرين.
ومن المعلوم أن الغاية ليست هي إحلال كلمات محل أخرى، ولكن إحلال فكرة محل أخرى، لأن الكلمة هي التي تشتمل على كثير من الاعتبارات والنظريات، وهي التي تلهم المتكلم أساليب من النظر ومن الفهم ومن السلوك لا يستطيع غير الكلمة أن يفهمه إياها. وقد نجح المستعمرون في هذا نجاح كبيرا حتى أنهم استطعوا أن يجعلوا في الشباب من يقدر على التفكير بلغتهم ولو تكلم أو كتب بلغته هو، فاللغة الأجنبية مهدت للمستعمر سبيل السيطرة على فكر المستعمر-بالفتح- وتوجيهه الوجهة التي يريدها الأجنبي ولو في أثناء مقاومته له ومحاربته إياه، لقد أصبحت الكلمات العربية مثلا فارغة من معانيها الأصلية في نظر العرب أنفسهم، ولكنها عامرة بالمعاني التي تشتمل عليها الكلمات الأجنبية التي تقابلها عادة في الاستعمال، ونشأ عن ذلك تحول في مدلولات القيم وفي مفهومات العقائد والديانات، وهكذا تغلغل الاستعمار في صميم حياتنا في أفكارنا وديانتنا ومبادئنا، فنزع عنها ما هي قائمة به في أعماقنا، وإذا بنا نجدنا خارجة عن وجودنا وغريبة عنا، فنحكم عليها بما يحكم به الأجنبي ونبني عليها ما يبنيه الأجنبي من أحكام ونظريات، ن طبقا للتطورات التي حصل هو عليها، والظروف التي تفاعلت في نفسه هو حولها.
فلنأخذ مثلا، كلمة الدين، هذه الكلمة التي تعني في اللغة العربية نوعا من الإيمان الذي يظهر لأثره في السلوك وفي الطاعة، وتعني في الاصطلاح الإسلامي ما شرعه الله على لسان أنبيائه من الأحكام كمعرفة الصلاة والصيام والزكاة، وهو بذل صلة قربى بين الإنسان وبين ربه، ورابطة اجتماعية بين معتنقيه، تحملهم على نوع من المحبة وضروب من الإخوة لا يستطيع غير الدين أن يحملهم عليها، وهي ابعد ما تكون عن وجود وساطة بشرية أو نظام كهنوتي يخضع المتدين لفئة من الأحبار أو يجعلهم متحكمين في ضميره أو مالكين لمصيره، فالدين يعني قبل كل شيء اختيار أمن الإنسان لا يريد به إلا مرضاة خالق أعلى، وهو بذلك بداية التحرر من كل سيطرة أرضية كيفما كان لونها، لان كل خضوع لغير أوامر الله يعتبر في نظر الدين أشركا به وطغيانا يجب أن يقاوم وان يرفض.
فإذا نحن أخذنا الكلمة التي نستعملها عادة مقابل الدين وجدناها هي: ( Religion) - رلجيون- ولكن هذه تعني معاني أخرى غير ما أسلفناه، فهي تشير قبل كل شيء لنظام كهنوتي فيه الرهيب وفيه الاعتراف، وفيه سيطرة البشر على أخيه، ونحكمه في غفران ذنبه وقبول توبته و ( Religiosite) « روليجيوزيتي» تعني استسلاما كاملا لهذا النوع من العبودية، وإشراكا في العبادة نفسها بغير الله عن طريق الامتثال-ولا أقول الطاعة- لكل ما يأمر به رئيس الديانة أو ينهي.
وطبعي أن هذا النوع من الفهم الغربي لمدلول الدين، طبقا للمحتويات التي كونتها ظروف المسيحية الأولى، والتي كان الإسلام ثورة عليها وإصلاحا لها، كان له أثر متناقض في نفوس الغربيين منذ بداية الإصلاح الديني البروتستانتي، ثم أثر أخطر منذ أن طغى رجال الدين على أهل الدين، وأصبحوا يمنعونهم من الدراسة ومن المعرفة، ويحاولون بينهم وبين التطور في نظام الحياة والأخذ بأسباب الرقي المادي. ونشأ عن ذلك أن أحس المجتمع بضرورة التحرر من الدين، بالمعنى الغربي، أي من الثورة علة سيطرة الكنيسة وتحكم الرهبان، والتحرر من الارستقراطية الإقطاعية التي ما كانت تبحث عن مرضاة الشعب وربه، بقدر ما كانت تبحث عن غفران الأب وربط أحسن الصلات بالبابا.
وهكذا وقعت حركة أفكار سرعان ما أصبحت فصولا ممتعة تكون قسما مهما من آداب الغرب الذي يبحث عن الحرية وينشد الانعتاق، وكان من نتائج