فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص6

ذل قيام الثورات المختلفة التي حسبت أن خطأ وان صوابا أن أول ما يلزم عمله لتحرير الشعب هو استعباد المظاهر الإقطاعية بكل ما كانت تتمثل فيه، وأصبحت الدولة نفسها لكي تتمكن من تحقيق أهدافها في التنظيم وفي الإصلاح، مضطرة لأن تعلن انفصالها عن الكنيسة أي عن ( Religion) ( رليجيون لا عن الدين، لأن المجتمع المسيحي لم ينفك في غالب رجاله عن الإيمان بالعقيدة الدينية، ومتمسكا بالأخلاق المسيحية، وفعلا أمكن للدولة أن تحل محل الكنيسة في غير العبادة الفردية، أي في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية، وأن كانت لا تختلف في أعمالها عن مقتضيات الدين وروحه إذا نحن أخذناه بالمعنى الذي نفهمه نحن من الدين.

ولنضرب لذلك مثلا أمر الطلاق، فالمسيحية الكاثوليكية تحرم الطلاق بكل معنى الكلمة، وتجعل الزواج أبديا، ولكن هنالك لعض الحالات القليلة تمسح فيها بوقوعه متى عرض الزوج أو الزوجة ذلك على البابا وقرر هذا وقوعه. كما أن هنالك حالات الانفصال الجسمي الذي يقع هو الأخر بناء على موافقة رجال الدين، فلما وقعت الثورة على الكنيسة لم يتحرر العالم المسيحي من نظرية منع الطلاق، ولكنه توسع في فهم الحالات التي يقع فيها، ونقل اختصاص الكنيسة إلى اختصاص القضاء، فأصبح من الممكن للمحكمة متى عرض الزوج أو الزوجة عليها خلافهما أن يقرا الفصل الجسماني أو يحكما بالطلاق أو أن يرفضا ذلك، فالمسألة إذن لم تخرج عن الأساس الذي بني عليه الزواج المسيحي، وكل ما هنالك أنها خرجت عن الدين، بالمعنى الكنسي للكلمة.

فأما عندما، فقد نسينا مدلول (الدين) بالمعنى الإسلامي، وهو مجرد تشريع، وملأنا الكلمة بما تدل عليه الترجمة الفرنسية، فأصبحنا بطبيعة الحال نفهم من معنى الدين ما تحتويه كلمة ( Religion) ( رليجيون) وأصبحنا نفكر في أمر الدين بما يفكر به الغرب، وما نقراه من آدابه الموجهة قبل كل قبل شيء لنقد مجتمع مبني على تحكم الكنيسة وصعوبة الطلاق، ولو في حالات تلبس احد الزوجين بالزنا، قيام ارستقراطية إقطاعية يحميها رجال الكنيسة وتستعبد معهم الشعوب. وهكذا وجدت عندنا مشكلة فصل الدين عن الدولة مثلا، ومشكلة الطلاق وما أشبه ذلك مما هو بعيد عن أن يكون مشكلا في وطننا.

فالدين بالمعنى الغربي لا وجود له في بلادنا، والدولة والدين شيء واحد، لان الدولة لابد أن تقوم على عقيدة أو على خلق، ولابد تكون حامية لقانون، وهي المسؤولة عنه وعن إيجاده إذا لم يكن موجودا، وكان ما هي مطالبة به أن تكون موافقة لرغبات الأمة في تصرفاتها وفي لأعمالها، فالدولة الإسلامية ليست دولة «اكليريكية» بالمعنى الذي يفهمه الغرب، بل يمكننا أن نقول أنها «لايكية» بطبيعتها، لا لأنها منفصلة عن الكنيسة، ولكن لان الكنيسة غير موجودة وليست من طبيعة الدين الإسلامي ولا جزءا منه.

والطلاق في الإسلام يختلف تماما في مدلوله وفي أصله عن الفصل الجسماني، وعن الطلاق الذي يحتاج إلى إذن الكنيسة، لأن الكنيسة أولا غير موجودة، ولان المتحكم في شأن الفرد هو ضميره، وكل ما هنالك أن العصمة بيد الزوج على أساس أن الرجل هو رئيس العائلة وان عقد الزواج يكون قائما على هذا الوضع، وللزوجة أن تشرط أن يكون لها مثل ما للزوج من حق، وهذا إذا سارت الأحوال في العائلة سيرها الطبيعي، أما إذا خرجت عن ذلك فغن القضاء يتدخل للإصلاح بقدر الإمكان، أو لارتكاب أقل الضررين، لا وهو التطليق للأسباب الشرعية التي تقتضيه.

فتفكير المسلمين عوضا عن أن ينفذ إلى ظروف التطور الغربي في أمر الطلاق وكونه امتدادا للمعنى المسيحي، وتدخل المحكمة فيه إنما هو تحرر من تدخل الكنيسة، بينما الإسلام يجعل الأشياء في يد الأفراد، إلا إذا احتاجوا إلى تدخل الحاكم، بناء على أن أنصاف الناس بعضهم البعض يغني عن القضاء على حد قول الشاعر:

لو أنصف الناس استراح القاضي

وجنح الجميع للتراضي

عوضا عن أن ينفذ لذلك، سيتخذ من تشابه الكلمات ضرورة التشابه في الفكر وفي الحكم عليها، وهذا من آثار السيطرة الغربية على تفكيرنا، حتى أصبحنا نزن الأمور لا بقيمتها التي نعطيها لها، ولكن بحسب القيمة التي تعطيها ظروف التطور الغربي المسيحي لها.

وهذا الاختلاط في الكلمات بين مدلولها العربي ومدلولها الأجنبي، صعب على شبابنا التفاهم مع بعضه، فأصبح الذين يتقنون اللغات الأجنبية يتكلمون بعربية غير مفهومة باعتبار المقاصد التي يعطونها لها، وأصبحوا هم أيضا لا يفهمون أخواتهم الذين يتكلمون بالعربية حسب مدلولاتها التي أعطاها لها الفكر العربي أو المغربي على الأقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت