فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص7

فأنت متى تحدثت مع بعض إخواننا من المثقفين عن وجوب الطاعة ... لووأ رؤوسهم وهم معرضون، وقالوا: إننا نريد الحرية، إن العهد الذي يؤمر فيه المرء فيطيع، والعصر الذي فيه مطيع ومطاع قد ذهب كله إلى غير رجعة. فإذا سألتهم ماذا تريدون إذن؟ قالوا: نريد الامتثال، وكان موسيقى هذا (الافتعال) أوقع في نفوسهم طمأنينة لا حد لها، لأنهم خرجوا عن المألوف من الطاعة العربية، وجاءوا بما يعبر عن مفهومهم م الطاعة الغربية، ولكنهم في واقع الأمر يخطئون، فالطاعة، تعني قبول الامتثال أو الاجتناب قبولا نفسيا مبنيا على طواعية واختيار، لأن الطاعة ليست أمرا فقط ولا نهيا فقط، ولكنها اختيار لسلوك فيه إتباع وفيه ترك، أما الامتثال فهو يقتضي الخضوع المطلق لما يريده الغير، وهي أقرب ما تكون إلى كلمة ( Conformisme) ( كونفورميسم) والعبودية التي يفرون منها غنما تتحقق بهذا الامتثال الذي يفنون به.

ويمكننا أن نذكر كثيرا من هذه الكلمات التي أصبحنا نفهمها على غير وجهها، ونفكر بمقتضى فهمنا الخاطئ لها تفكيرا أبعد ما يكون عن الصواب أو على الأقل عن ما نرغب أن نفكر فيه. فالصلاة في مدلولها الإسلامي غيرها في مدلول الفرنسي، والخلق، والآداب، والشريعة، والشورى، والحكم، والزكاة، والملك، وغير ذلك من الكلمات التي يختلف تفكيرنا الاجتماعي حولها باختلاف المدلول الذي نعطيه لها.

فالسيطرة عن طريق اللغة أحدثت وتحدث في وسطنا خسارة لا حد لها، ولا يمكننا أن نعتبر أنفسنا أحرارا بمعنى الكلمة الحقيقي، إلا إذا حررنا فكرنا من اللغة الأجنبية، وحررنا كلماتنا القومية من المدلولات الأجنبية عنها، وإني اعتبر هذه الخطوة أساسية لتحقيق فكر اجتماعي صحيح.

أما العنصر الثاني، فهو المدرسة، وطبيعي أن هذه من وسائل نشر اللغة ونشر الفكر الذي يريده المربون، وقد تعمد الاستعمار أن يتخذ سياسة تعليمية تقوم على أساس التمهيد لتكوين الجيل الذي يريده. فهو من جهة لا يعطي من المعرفة إلا بمقدار ما يتوفق عليه الحاكم الأجنبي، والمعمر والتاجر الأجنبيان، من خلق معاونين أو يد عاملة تساعد المختصين من الأجانب في كل ما يريدون، ومن جهة أخرى يحاول أن يجعل من برنامجه الفكر الذي يؤمن به الأهلي ويعمل له، حتى يصبح تعبيده أمرا ميسورا لأنه سيصبح ذاتيا مقبولا. ولقد رأينا المدرسة الأهلية كيف تجرد من اللغة ومن الدين الأهليين، وكيف لا يعلم فيها إلا تاريخ الغاليين والسكسونيين، ولا يعرف منها إلا جغرافية الأرض الفرنسية وما إليها، وحتى بلادنا لم تكن تذكر فيها إلا بقدر يسير، وكجزء من مجموعة الاتحاد الفرنسي وشعوبه، وأصبحنا نحن العرب المسلمين نتحدث عن آبائنا الغاليين، ولا نرى من الحضارة وأساليب الحياة وأدب السلوك وأخلاق المدنية إلا ما يعلمنا إياه الأجنبي أو يريد منا أن نفعله. حتى إذا خرجنا من التعليم الابتدائي الموجه ودخلنا إلى ميدان أوسع نسبيا، لم نعرف الحرية إلا من طريق الأدب الأجنبي، ولم نرها إلا على الصفة التي عينتها ظروف الثورة الفرنسية وآدابها.

ومن حسن الحظ أن الثورة عارمة نشأت من شرق أوروبا زعزعت الثقة فيما قاله الغر وما كتبه، ووضعت مقاييس الغرب وتفكيره في الاجتماع وفي الاقتصاد موضع التغيير من جديد، فشعر العرب بمقدار الخطأ الذي وقعوا فيه، فأخذوا يبحثون عن التخلص من آثار الغرب في أفكارهم وفي أنظمتهم، ولم تعد الديمقراطية الفردية وآثارها المثل الأعلى الذي لا يمكن لأحد أن يطعن فيه أو يظهر غير راض عنه.

ولكن العرب لم يتعظوا إلى الحد الذي لا يغترون فيه بالدعوة الجديدة، فقد كان عليهم أن يرافقوها إلى حد التحرر من مقاييس الغرب، ثم يستقلوا في دراسة أمورهم مستوضحين أحوالهم من وعيهم الباطني، غير ناسين أن هذه الثورة العارمة وان عارضت أساليب الغرب، فإنها في واقع الأمر ليست غير تطور منطقي للديمقراطية الغربية، ولا يمكن أن تتحرر من آثار الاسرائليات الأولى في نفوس شعوبها.

فالمسألة إذن تستوجب منا ثورة في الفكر تخرج بنا من إطار السجن الذي وضعت المدرسة الغربية أفكارنا فيه، وانطلاقة ذاتية تجعلنا نحس بوجودنا الخاص ونثبته، ونستمد منه ومن مختلف مظاهره ومعالمه وعوالمه، العناصر التي تكون بها فكرنا الاجتماعي، في تحرر من سيطرة الغرب وتقاليده سلبا وإيجابا.

ونحن بحاجة إلى مدرسة جديدة تعلمنا إلى جانب العلوم التي لا تختلف باختلاف الشعوب، وجودنا كما هو ومن أين يبتدئ وأين ينتهي. علمنا جغرافية أرضنا والأرض التي تمتد إليها، وطبيعة أجوائها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت