فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص8
والتفعيلات الإنسانية التي كونت تاريخها، والحضارة التي امتهدت بها، وكيف كانت صلتها بالغير والعواطف الإنسانية التي تبلورت في الدين وفي الخلق حتى كونت هذا الثرات الإسلامي الذي نعتز به.
إننا نريد من المدرسة المغربية أن تعلمنا إنسانيتنا لا إنسانية الآخرين.
ومن المعلوم أن الإنسان ليس هو ما يعرفه من هذه القواعد في النحو والصرف، ولا ما يحفظه من هذه النواميس العلمية أو الرياضية، لان ذلك كله لا يعدو أن يكون صناعة ابتكرها الإنسان أو اكتشفها ليحقق بها انفعالات الحياة له. ولكن هذا الابتكار أو الاكتشاف كان نتيجة لشيء آخر أعظم وأهم، هو الذي يكون الإنسان في ماهيته، هو صفاته التي يمتاز بها عن غيره من الحيوان، هو الفكر الذي يعقل به، وحب العمل الذي يميزه، والناموس الذي يضفي عليه طاعة يقدر بها على معاشرة الآخرين ومؤانستهم، ويخلق بها حضارته الخاصة التي فيها من المظاهر ما يعجب ومن الأسرار ما يتفق ومجموع فكره وناموسه وعمله. هذه الإنسانية التي يعتمد عليها كل شعب في دراسته العامة، والتي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا اجتمعت فيها كل المقومات القومية الخاصة التي ذكرناها.
وإذن فالمدرسة القومية يجب أن تخلق منا أناسا على فطرتنا لا على صورة الآخرين، أي أننا نريد منها أن تشذب حيويتنا وما يحدثه الوسط الذي نحن فيه من انحرافات عن فطرتنا، عن طريق ردنا لإنسانيتنا التي هي الفطرة.
والسياسة التعليمية أساسية في توجيه المجتمع وفي خلق الجيل الواعي الذي يؤمن بالعقيدة ويكافح من أجل العمل بمقتضاها، وأول واجباتنا أن نعيدها حيث يجب أن تكون، لا حيث وضعها المستعمر، ومتى فعلنا ذلك فإننا سنصبح مهتمين بتعليم أبنائنا التفكير، وندهم على طرائقه، ونحبب شعبنا العمل، ونعلمهم وسائله ونهيئ لهم مراكزه، ونضفي عليهم من ناموس دينهم ما يجعلهم يؤمنون بالعقل ويصدرون عن القلب ويعملون لصالح المجموع.
أما العنصر الثالث فهو القانون، وقد أراد المستعمر أن يتخذه وسيلة لإدماجنا في وجوده، فعمل قبل كل شيء على إقناعنا بأننا امة لا قانون لها، ووجه النور على بعض الأعراف الجاهلية التي أرادان يردنا بها إلى ما قبل التاريخ، حيث كان هو قبل أن تدخل المسيحية لأوروبا، وقبل أن يحمل العرب شريعتهم وتقاليد فروسيتهم إلى بلاده، متخيلا انه متى بعث في نفوسنا حب التفكير في واقعنا العرفي، إلا وأحسسنا بضرورة الخروج من عادات تعتبر المرآة متاعا يباع ويشترى، ولا ترى لخلق العائلة إلا صورا بدائية تختلف عما تؤمن به في قراراة أنفسنا، وحينئذ سنجد من هذه المحاكم الأجنبية التي أسسها والقوانين التي دونها، ما نعتبر الوصول إلى تطبيقه علينا مثلا أعلى نجاهد من أجله. وبذلك ننشد (التفرنس) عن طريق القانون، وبما أن لنا من التقديس للشريعة ما ليس لغيرنا، فغننا سنعتبر القانون المسطور وحده الموجه لنا في أعمالنا والمسير لأخلاقنا، وهكذا يقضي على أخلاقنا الإسلامية، التي تعتبر الحسن حسنا ولو لم يكن مدونا في قانون، والقبيح قبيحا ولو لم تصدر ضده ظهائر ولا مرسومات. ولكن إسلاميتنا كانت أعمق مما حسبه المستعمر، فلم تمس المحاكم الشرعية في البربر بسوء حتى ثارت ثائرتهم وعم رد الفعل في المجتمع البلاد، وكما أدرك هو قيمة القانون في تعبيد الشعوب أدركنا نحن قيمة التمسك بالشريعة الإسلامية في إثبات وجودنا وتحقيق حريتنا، وكان للدفاع عن الشرع الإسلامي فضل تكوين هذه الحركة الوطنية التي دفعت بالشعب للعمل حتى نال الاستقلال. واخذ يعيد النظر في قوانينه في دائرة الروح الإسلامية والخلق الديني.
والسلوك الفردي شيء ضروري في أمر القوانين، لأن المشروع لا يتدخل عادة إلا إذا حكم المجتمع على شيء بالحسن أو القبح. والمجتمع لا يحكم إلا بمقتضى أصول أخلاقية يؤمن بها ويمضي عليها. وقد يخالفها أحيانا ولكنه يقر دائما باستنكار فعله ما دام مؤمنا بتلك الأصول.
وقد نظر أسلافنا نظرة عميقة لهذا المعاني، فابتكروا ما سموه بأصول الفقه، وهو ما أطلق عليه الشيخ علي عبد الرازق والعلامة ماسينيون (اجتماعيات الإسلام) ، ذلك أنهم نظروا في ظروف التشريع وفي الغاية منه وتتبعوا نظائره، فخرجوا بأصول عامة لا يمكن للقانون أن لا يعتبرها، كما لا يمكن للفكر الاجتماعي أن يفكر بها.
فهنالك أشياء أجمعت الملل والنحل على حفظها كالأرواح والأموال أو الدين والعرض، فكل قانون مهما تطور في تفاصيله لابد أن يراعي حماية أرواح المواطنين