فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والحالات، وإنك لواجد كذلك -من جهة ثالثة -جماعة من الأقطار المتشبعة بمبدأ الحياد يبدو أنها تدرك مفهومه إدراكا أكثر موضوعية، وأصبح متعلقا ولهذا فإنها تحرص على الإمساك به بقدر ما يعصمها ذلك من الوقوع في إطار التبعية والاستلحاق المباشر أو غير المباشر، بيد أن استمساكها يه هكذا من الناحية السلبية، لا يحول بينها وبين العمل على عقلنته وتأكيد واقعيته، واعتماده بذلك في ازدياد التفتح على العالم، والتعاون مع شعوب الأرض، والإسهام -بنصيب ما- في استدراكه من فرص السلام والتفاهم والتقدم.
ومن الجدير بالملاحظة أن إبراز هذه الفروق، والاستنتاجات التي يمكن أن تثيرها لا يقصد منها بتاتا المقارنة بين اتجاه حيادي وآخر، أو المفاضلة بين مجموعة وأخرى من الدول المتأثرة بمبدأ الحياد في شكل من أشكاله، فالمجال -في هذا الباب- ليس مجال مقايسة أو مفاضلة، وإنما كل ما يهم في الأمر، هو مجرد ملاحظة الظواهر العديدة، التي تترامى في أفق الحياد الجديد، وما يمكن أن يؤثر به ذلك على وضعية الفكرة الحيادية الدولية بصورة عامة، والكتلة الكبيرة التي تنتسب إلى هذه الفكرة، أو تتأثر بها من قريب أو بعيد، وغني عن البيان أن النتيجة البسيطة التي يمكن أن تنبثق عن مثل هذه الملاحظات هي أنه ليس من اليسير دائما تكوين مفهوم قار ومحدد الأبعاد لفكرة الحياد وعدم الانحياز، ثم إدراج كل الأحوال الحيادية في العالم ضمن هذا المفهوم، وذلك بكل ما يقتضيه من حدود وشروط، وما يخضع له من مقاييس وترتيبات، فالأوضاع الحيادية الدولية ليست سواء من حيث العقائد التي تقوم عليها أومن حيث النتائج السياسية والدولية المرتبطة بها، إن هناك- بحق - الكثير من الدول التي تنتمي إلى فكرة الحياد، غير أن الأوضاع الحيادية عند هذه الدول لا تتشابه دائما فيما بينها -كما قدمنا- ولا تنتهي إلى نفس النتائج السياسية والدبلوماسية التي تقوم عليها النظرية الحيادية المجردة، وواضح أننا لا نقصد بهذا ما يوجد من اختلاف عميق بين حالات الحياد المضمون دوليا كحياد النمسا وسويسرا مثلا وبين حالات الحياد الإيجابي الذي ما فتئت الأقطار الإفريقية والأسيوية تأخذ به منذ نهاية الحرب، حقا إن هناك قدرا كبيرا بين من الاختلاف بين الحياد المفروض أو المضمون وبين صور الحياد الإيجابي المستقل القائم الآن في قارتي آسيا وإفريقيا وغيرهما، لكن المقارنة بين هاتين الحالتين من الحياد لا تهمنا في هذا المجال بقدر ما يهمنا النظر في موضوع الحياد الإيجابي نفسه، وما يتمثل في أفقه الدولي الحالي من اختلافات في الأوضاع والاتجاهات تذهب أحبانا - كما قدمنا- إلى حد كبير، لكن هل يجوز التغاضي عن مثل هذه الاختلافات في الأوضاع والاتجاهات التغاضي عن مثل هذه الاختلافات في التقييم والاستنتاج والاتجاه، عند مختلف الدول المحايدة، واعتبار هذه الدول المحايدة، واعتبار هذه الدول -بالرغم عن ذلك- ككتلة قائمة لها نصيب كاف من التماسك والتلاحم والانسجام، إن الروابط العقائدية والاتجاهية التي تصل بين المحايدين في العالم لا يمكن الاستهانة بمتانتها وحيويتها في حدود اعتبارات معينة، إلا أن هده الروابط لا تصل إلى حد أن تجعل من مجموع الدول المحايدة أو شبه المحايدة سواء في إفريقيا أو آسيا أو أوروبا أو أمريكا اللاتينية كتلة متراصة ملتحمة كما هو الشأن بالنسبة للكتل الأخرى الموجودة في العالم، بل إن هناك حالات يلاحظ فيها وجود عدد من الدول ذات الاتجاه الحيادي أوشبه الحيادي، يتكتل البعض منها في منظمات دولية خاصة، بينما يتكتل الآخرون في منظمات أخرى قد تكون مناقضة للأولى في كثير من القضايا ووجهات التقدير والنظر، وتلعب الاعتبارات الفلسفية والعوامل الاجتماعية والفكرية دورا هاما في تكييف اتجاهات حيادية متباينة من هذا القبيل، على أن الدول الأخرى غير المحايدة -وإن كانت تتجمع- من جانب وآخر - في معسكرين متواجهين متناقضين، يسود كل منهما نوع من التناسق والالتحام بين عناصره، فإنها مع ذلك تعاني هي الأخرى من مظاهر الاختلاف الداخلي والتناقض الذاتي ما يبدو أحيانا على درجة من الأهمية البالغة، فالخلاف بين التعديليين والذوكماتيين داخل الكتلة الشيوعية قد تجاوز خلال السنة الماضية، وأوائل السنة كل الحدود المحتملة، أما التناقضات بين وجهات النظر الداعية إلى رابطة أوربية أكثر استقلالا وذاتية، وبين وجهة النظر الأخرى المتشبتة بمبدأ التكافل والتلاحم الأطلسي، هده التناقضات في وجهة النظر من أكبر المشاكل وأضخم العقبات التي تواجه سياسة الدفاع الدولية والتضامن الغربي، وهناك مظاهر أخرى كثيرة من هذا النوع تؤثر تأثيرا متفاوتا في الأهمية على سير التطور الذاتي داخل المعسكرين العالميين المتنافسين وتحدد أحيانا وجهة هذا التطور وامتداده سواء بصورة مؤقتة أوذات صفة جذرية، لكن، هل في إمكان المراقب أن يوازن موازنة شاملة بين مجموعة هذه التناقضات التي تسود عالم الدول المتكتلة والمتحالفة والتناقضات المماثلة لها، التي تسود الجماعة المحايدة في العالم؟ الذي يبدو من أول وهلة أن مقارنة من هذا النوع من شأنها أن تستدعي في بعض الاعتبارات المقارنة أيضا بين الأوضاع العامة التي تشكل وجود المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي من جهة، والأوضاع العامة التي يقوم عليها وجود الجماعة الحيادية العالمية من جهة ثانية، وعلى أساس هذه المقارنة في الأوضاع العامة يمكننا أن نخلص في النهاية إلى المقارنة بين التناقضات الداخلية التي تسود هذا الجانب أوالآخر والنتائج الإجمالية التي تنشأ عن وجود هذه التناقضات وتطورها.