فهرس الكتاب

الصفحة 5153 من 5287

وتبرز في هذا المجال مجموعة عامة من الحقائق والمعطيات لا بد للمراقب أن يتدبر جوانبها المختلقة، ويستخلص منها ما يمكن استخلاصه، وذلك من أجل التمييز فيما بين الظواهر المتداخلة وتصنيفها تصنيفا يمكن أن يكون له مدلول أكثر وضوحا وتحديدا، وأولى الحقائق التي تبتدرنا في هذا المضمار، تتصل بالأحوال التي تم فيها نشوء الكتل والجماعات الدولية المختلفة، وطبيعة العوامل التي أثرت في هذا النشوء، وساعدت على تطويره وتكييفه، ويرى الملاحظ في هذا المجال أن الظروف التي أحاطت بقيام الكتل والأحلاف الدولية الحاضرة تتباين في كثير من الحيثيات والظروف التي أسهمت في تطور فكرة الحياد،، ونمو بواعثها الأساسية وتبلورها ضمن الأشكال والأطر التي تظهر فيها الآن، فمثلا الكتلة الشيوعية التي تضم الآن ما يناهز ثلث سكان المعمور، وتمتد مواقعها على مساحات شاسعة هائلة في أوربا والقارة الأسيوية، هذه الكتلة لم تتلاحم أجزاؤها وتتآلف عناصرها من الناحية القيادية على الأقل إلا تحت تأثير الشعور الحاد، بضرورة التكتل والتراص من أجل مقاومة النفوذ الرأسمالي في العالم، ومناوأة التيارات السياسية والمذهبية التي تؤثر فيه أو تتأثر به على مختلف الأبعاد والمستويات، أما الكتلة الغربية الأطلسية التي تضم أهم الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا في العالم، والتي ترتبط بها بعض الكتيلات الثانوية الأخرى كحلف شرقي آسيا (عقد في 8 شتنبر 1954) والحلف المركزي للشرق الأوسط (25 يبراير 1955) وحلف ريودي جانيرو وبأمريكا اللاتينية (شتنبر 1947) وغير ذلك، هذه الكتلة الغربية أو الأطلسية قد نشأت -هي الأخرى- في ظروف سياسية دولية خاصة، ترتبط شديد الارتباط بقضية الامتداد الشيوعي العالمي، والتحديات التي أصبح يوجهها للأنظمة العربية (القائمة على قاعدة الديمقراطية البرلمانية التقليدية، وما يرتبط بكل ذلك من أوضاع وأجهزة ومنشآت ومصالح في مختلف أنحاء العالم، وقد كان لانفصام النظام الرباعي ببرلين، وسقوط تشيكوسلوفاكيا تحت النظام الشيوعي سنة 1984 بالإضافة إلى إحداث منطقة البلقان وخاصة التهديد الموجه لتركيا حول موضوع المضايق والحرب المشنة على اليونان من قبل الأنصار الشيوعيين، هذا إلى التطورات التي أدت إلى إحياء الكومينفورم(المنظمة الشيوعية الدولية) ، كان لكل ذلك أثر بعيد المدى في خلق الظروف النفسانية والفكرية التي كان من شأنها أن تدعو إلى التكتل بين الأقطار الرأسمالية الغربية وتجميع الإرادات القوية لتطوير الموقف سريعا في هذا المضمار، وواضح أن المؤثرات التي خلقتها تلك الظروف لا تزال - في الغالب- على حدتها وفاعليتها ولم يطرأ عليها عموما أي تعديل يساعد المتحالفين والمتكتلين على إمكانية الاستغناء عن الأخلاق التي يتجمعون حول أوليتها وتلك هي إحدى العقد الأساسية في استمرار تحجر الوضع الدولي منذ سنة 1947 بل وازدياد هذا التحجر وأزماته إلى حد بعيد، على الرغم مما يبدو من تقلبات داخلية مذهلة سواء في نطاق المعسكر الشيوعي والرأسمالي وذلك نتيجة لما يعانيه المعسكر الأول من خلافات مذهبية وسياسية بين الدوكماتيين والتعديليين وبسبب ما يعانيه المعسكر الآخر من تصدعات مثيرة بين فرنسا والمملكة المتحدة من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، على الرغم من كل هذه التقلبات ذات الأهمية الواسعة فإنه ليس من المنتظر -مع ذلك- إمكانية حدوث انقلاب في الأحلاف الدولية الحاضرة، وبالتالي احتمال وقوع كتلات دولية جديدة على حساب الأوضاع الراهنة في المعسكرين المتنافسين، كل ذلك لسبب أساسي هوأن الأحوال النفسية التي ساعدت على قيام الأحلاف الحاضرة لم يعتروها -بالرغم من المظاهر-أي تغيير حقيقي، ومازالت تحتفظ بكامل تأثيرها على مختلف الدول المتحالفة سواء داخل هذا المعسكر أوالآخر، لقد كانت مشاعر الشك والقلق والحذر من صميم العوامل التي مهدت لنشوء هذه الأحلاف، وتطور التنظيمات المادية والاجرائية التي ترتبط بها في الأساس، ومن الحلي أن هذه المشاعر بكل ما تنطوي عليه أحيانا من عناصر سلبية هدامة، لا تزال تؤثر تأثيرها القوي الفعال في تطور الأجهزة التحالفية القائمة، وأيضا في الوجهة التي توجه نحوها هذه الأجهزة وتستخدم على أساسها بصورة عامة، ولهذا كله فقد كان من المفهوم دائما أن تستمر هذه الأحلاف مرتبطة بالعوامل النفسانية التي تبرر وجودها من أساسه، وبالنتيجة لذلك فإنه لا يزال من الصعب جدا عزلها عن تأثير هذه العوامل والحيلولة بينها وبين النتائج التي يؤدي إليها كل ذلك كالتسابق -مثلا-نحوالتسلح والتنافس على مناطق النفوذ والسعي إلى ذلك سعيا ناريا يكاد يشمل حتى مجالات اكتشاف الفضاء أيضا، وكل هذا من أجل ضمان التفوق على الخصم، أي ضمان التفوق على عوامل الحذر والخوف والريب الذي يحدثه كل جانب باستمرار، ويؤثر به على نفسية الجانب الآخر، والأهم من هذا كله أن الأمر - في هذا الباب- قد أصبح شديد الاتصال بالشعارات التي يرددها هؤلاء أو أولئك وحتى بالمبادئ والقيم التي يدين بها المتكتلون سواء في هذا المعسكر أوالآخر، إن الشعارات التي أصبحت تردد بمناسبة وغير مناسبة داخل الكتل الدولية المتنافية هي شعارات القوة، القوة الرادعة، القوة التي توصف أحيانا قوة مطبقة، أي لها الفاعلية التدميرية من جهة، والمناعة ضد الوسائل المضادة من جهة أخرى ما بحول دون إبطال عملها الرادع على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت