فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أي شكل من الأشكال، وما التلويح بالقوة هكذا إلا مظهر من مظاهر الحرص الشديد على مداراة القلق والخوف ومحاولة درء ذلك على طريق تخويف الخصم وإلقاء الذعر في نفسيته، وتلك حالة دور وتسلسل يمكن على أساسها تعليل الكثير من المواقف المزمنة في العالم الدولي الحاضر وإدراك المشكلات السياسية الأكثر تعقيدا في مجال هذا العالم وآفاقه، أما إذا وجهنا النظر إلى طبيعة موقف الأقطار المحايدة من مثل هذه التطورات وردود الفعل التي كان من اللازم أن تمارسها إزاء كل ذلك فإننا سنلاحظ أن الحقائق في هذا المجال تختلف في كثير من جوانبها مما رأيناه بالنسبة إلى المتحالفين والمتكتلين، لقد تأرجحت الفكرة الحيادية عند شعوب هذه الأقطار تأرجحا واسعا جدا قبل أن تصل إلى درجة من الارتكاز والاستقرار مثل ماهي عليه الآن، ولقد كان مؤتمر"باندونغ" (أبريل 1955) مرحلة مهمة من مراحل التطور الأساسي الذي اجتازته الحيادية الإيجابية المعاصرة كما هي اليوم، ولم يكن المؤتمر ذاك مجرد مظهر من مظاهر هذا التطور بل كان فوق ذلك عاملا من عوامله التي لها أهميتها في هذا المضمار، على أن السنوات القليلة التي أعقبت تجمع باندونغ كانت ذات أثر حاسم في تطور الأوضاع الحيادية بالعالم وارتكاز التجمع الحيادي الدولي على أسس أكثر إيجابية وحيوية، وإن كان هذا التجمع لم يتخذ شكل حلف أو كتلة على النحو التقليدي الذي تعرف به الكتل المتنافسة البوم، ولقد كان لتحرر أغلبية المناطق في إفريقيا خلال هذه الفترة فضلا عن ازدياد التزاحم بين المعسكرين العالميين على اكتساب الشعوب النامية، وتطور الاتجاه عند هذه الشعوب إلى الإقبال على موارد التنمية والتطور عن طريق التعاون المتكافئ مع كلا المعسكرين، كل ذلك من شأنه أن يزود الفكرة الحيادية الإيجابية بعناصر جديدة ويحمل كثيرا من الدول المحايدة وإن كان البعض منها لا يزال منعزلا على توفير المزيد من التقارب فيما بينها والبحث عن سبل التلاؤم في مواقفها من بعض القضايا السياسية على الأقل التي تشغل العالم الدولي الحاضر، وليس هناك من شك في أن المشكلات الأساسية التي تعاني منها أقطار الحياد هي على درجة من الثما تل والتشابه، وتتركز في مجموعها في محور أساسي: الجمود الاقتصادي والاجتماعي الذي يتخذ في الغالب مظاهر مأساة مروعة ويسود الرأي عند عموم هذه الأقطار أن الحرب ليس من شأنها إلا أن تعرقل الحظوظ الممكنة لمعالجة مشاكل إنسانية معقدة من هذا القبيل وعلى العكس من ذلك فإن سبل التعاون الدولي المتحرر من قيود التبعية والانحياز تبرز كأساس دائم وواسع الشمول لتحقيق نتائج هامة في هذا المحال، وفي إمكان المرء أن يستنتج من ذلك متانة الروابط الموضوعية التي ما فتئت تصل بين وجود التخلف من جهة، والاتجاه المشترك إلى الحياد من جهة أخرى، وهذا الترابط -وإن كان لا يشكل قاعدة صحيحة يسري مفعولها على جميع الحقائق والمستويات- إلا أنه-مع ذلك- يعتبر ظاهرة ملحوظة ومطردة تتمثل لنا في مختلف الحالات الحيادية الملحوظة سواء في إفريقيا أوفي آسيا أو غيرهما، فمناوأة التخلف ليست مهمة بسيطة حقا، وهي إن كانت تستجوب شيئا فإنها تستجوب -قبل كل شيء- بحثا ملحا عن الموارد والتجهيزات وسعيا حثيثا وراء أعمال التنسيق والإنجاز والتوسع وهذه أمور لا تتوافر مجالاتها بصورة واسعة إلا في أجواء دولية سليمة وبعيدا جدا عن غمار الأحلاف والتكتلات المتشاحنة ولا ريب أن مثل هذه الحتمية المنطقية من شأنها أن تفرض على الذهن العادي ضرورة انتهاج سبيل الحياد الواعي المتفتح مثل ما تفعله كثير من الدول النامية، وتسير بمقتضاه في موضوع علاقاتها العالمية والدولية.
نستخلص مما تقدم أن الظروف النفسانية والفكرية التي أحاطت ظاهرة الحياد الجديد وتطوره هي غير الظروف الأخرى التي صاحبت نشوء الأحلاف والكتل المتنافسة في عالم اليوم، إذ أن الخوف والشك والحذر كان فعلا في أساس الدوافع التي حدت إلى قيام هذه الكتل، بينما كان الأمل والرجاء من بين العوامل المهمة في نمو الاتجاهات المختلفة نحو الحياد، وتبلورها في واقع الجماعة الحيادية الدولية التي تشكل اليوم تقريبا ما نتواضع على تسميته بالعالم الثالث، وبين الخوف والحذر من جانب، والأمل والرجاء من جانب آخر يتبين الفارق الكبير بين وجهتين إنسانيتين كبيرتين يؤثر كل منهما على سير التطور بالعالم ويساهمان في تكييف الوقائع والمجريات التي تتراى بين ربوعه، والتناقض بين الوجهتين، وجهة المحايدين ووجهة المتكتلين المتحالفين لا يدعو بطبيعة الحال إلى حتمية التصادم بينهما كما يمكن أن يقع بالنسبة للدول المتكتلة يعضها ضد بعض، إذ أن هذا التناقض الحاصل بين الحيادية والانتمائية لا يستمد وجوده - في الواقع- من شعور عدائي أو إحساس سلبي، وإنما هو راجع إلى جوهر الاختلاف بين فلسفة تقوم على مبدأ التوفيق والملائمة، وفلسفة أخرى تنهض على منطلق القوة والمغالبة سواء في حالة الدفاع أو الهجوم وفي مجال الاستعداد لذلك ماديا ونفسانيا وبطبيعة الحال فإن فلسفة التلاؤم والتوافق لا يمكن أن تسير في سبيل التداني مع الفلسفات الأخرى المناقضة لها، والمتناقضة هي أيضا مع بعضها البعض وذلك لا لكي تنتهي في الأخير إلى الاصطدام بهذه الفلسفات اصطداما تناحريا مميتا كما هو طبيعي أن يحصل في كثير من الحالات من هذا القبيل، وإنما لنحاول -عوضا عن ذلك-التأثير على مواطن السلبية الكامنة في الصراع الدولي القائم وتحديد عناصر الحدة والإرهاف في