فهرس الكتاب

الصفحة 5155 من 5287

في مختلف مظاهره ونتائجه، ولعلنا نكون أكثر إدراكا لمعقولية الفكر الحيادي في هذا الشأن ومنطقية الموقف الذي يتبناه حيال مسائل هامة من هذا النوع، إذا ما وضعنا في عين الاعتبار أن الحياد لم يقم في أساسه ومنذ بداية نشوئه وتطوره كوسيلة لمقارعة خصوم حقيقيين أو موهومين أو مناوأة كتل أو وجهات دولية معينة، وعلى الرغم من أن أكثرية الأقطار المحايدة كانت واقعة في الغالب الأعم تحت وطأة النظام الاستعماري التقليدي وتعاني باستمرار من مشاكل التخلف الذي يرجع في بعض أسبابه إلى الوجهة التي كان يتخذها هذا النظام في موضوع الفكر والاقتصاد والاجتماع وغيره، على الرغم من كل ذلك فإنها قد استطاعت أن تتخلص من كثير من العقد والمركبات نحو الدول الكبرى، وتتخذ سبيلها إلى آفاق التعاون الدولي الإيجابي البعيد عن مظان التحزب ضد هذه الدولة أو تلك أو على حساب هذا الحلف أو الآخر وقد كان طبيعيا جدا أن تحتضن هذه الشعوب المحايدة مثل هذا الاتجاه في التفكير والتخطيط والتصرف لأنه منبثق-في واقع الأمر-عن نظرياتها الخاصة عن موضوع التعايش العالمي ووسائل مناوأة الاستعمار القديم والجديد وطرق العمل على إ نجاح الثورة الإنسانية من أجل التطور والنماء والتحرر ... والنظريات الحيادية في هذا الباب، وإن كانت تتلاقى في كثير من المراحل مع النظريات الشيوعية، إلا أنها لا ترتكز بالضرورة على نقس المعطيات والقيم التي انتهت إليها الماركسية واللينينية وما في ضمنها من حركات واتجاهات دولية ومحلية، إن نظرة الحياديين إلى طبيعة الامبريالية ونتائجها ومضاعفاتها لا تقوم أساسا على أراء اقتصادية وتاريخية معين، بقدر ما تقوم -أكثر من ذلك- على ملاحظة الواقع الاستعماري في العالم، ويوجبه الاحتكاك بهذا الواقع من عبر واستنتاجات، وإن كان من الضروري أن تحمل هذه العبر والاستنتاجات على مزيد الحذر من الأوساط الامبريالية الدولية، ومن مناهجها وتخطيطاتها التسلسلية الدقيقة سواء ا كانت على الطراز الكلاسيكي المألوف أو كانت تكتسي أردية مستحدثة فإنه ليس من اللازم -على أي حال- أن تلتفي اليقظة الحيادية في هذا الباب مع تكتلات المتكتلين وأنصار الأحلاف والمعسكرات، ورواد الحرب الباردة، وليس من اللازم كذلك أن يلتقي التفكير الحيادي في موضوع الحرية والمبادرة الشخصية والاقتصاد الحر مع نظريات الدول الأخرى التي تعتنق المبادئ الليبرالية في الاقتصاد والاجتماع ثم تتخذ من هذه المبادئ سبيلا للتكتل والتحالف من أجل خوض الغمرات الصراعية ضد الآخرين على أننا إذا نظرنا إلى هذه الغمرات من وجهة آراء الذين يخوضونها فإننا نجد أنها لا تثير الاستغراب على أي مستوى مبدئي، فمنطق الأحداث المتسلسلة منذ حقبة بعيدة يفرض إمكانية الصراع الموجود بشكله الحاضر، بل ويحتم وقوعه طبقا لمقتضيات التحول التاريخي وما يصحب هذا التحول من تفاعلات دولية تمتد على الصعيد العالمي الواسع، ولا شك أن التكتل ضمن مؤسسات دولية مشتركة في بعض الأحيان من أقصى الضرورات وأشدها إلحاحا بالنسبة للمتصارعين داخل هذا التحول سواء كانوا ينتسبون إلى هذا المعسكر أو الآخر، إذ أن مثل هذا التكتل -في نظر البعض-يساهم على الأقل في إقامة التوازن بين الطرفين المتشاحنين وساعدهما -كما يرغبان-على تركيز طاقتهما الصراعية مادية أو معنوية، لكن الأمر بالنسبة للمحايدين يختلف عن ذلك في كثير من الاعتبارات، فالبواعث الصراعية عندهم لا تتجه نفس الوجهة التي يوحي بها داعي الصراع عند دول التكتل والأحلاف، إذ أنها ترتبط عند هؤلاء بموضوع الخامات والأسواق والمجالات الحيوية والنفوذ العالمي بمختلف أنواعه المذهبية والاقتصادية والسياسية وغيرها، بينما هي ترتبط عند الأولين بموضوع التحرر من بقايا النظام الامبريالي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في ميادين الصناعة والتجارة وغيرها وتوفير فرص النمو والتقدم والسلام على كثير من الدول المحايدة ينصب في الدرجة الأولى على مواضيع التحرر السياسي في مختلف أنحاء العالم ويتركز كذلك في موضوعات التنمية الاقتصادية ومشاريع التطوير والتنسيق وإن كانت فطه المواضيع الأخيرة لم تتخذ على صعيد التعاون بين الحياديين صورة جدية حقيقية، وهذه خطوط كبرى في مجال العمل الدولي المشترك الذي يجمع كثيرا من الدول المحايدة في العالم، ويساعدها -بالأخص-على اتخاذ مواقف موحدة على صعيد هيئة الأمم المتحدة، على أننا إذا ما اعتبرنا تفاهم هذه الأقطار فيما بينها حول مواضيع معينة من نوع ما لاحظناه من قبل مع ما يحدثه هذا التفاهم أحيانا من مؤثرات وندوات خاصة وتناسقات ملحوظة في وجهات النظر، إذا اعتبرنا كل ذلك على أنه أساس تكتل موجود بالفعل بين مجموعة المحايدين في العالم، فإننا نكون حينئذ قد أطلقنا اللفظ إطلاقا فيه كثير من التجاوز وأردنا به مدلولا عاما غير مقيد بقيود سياسية وقانونية خاصة، ذلك أن اتفاق الدول المحايدة في عدد من وجهات النظر ومواطن العمل والسلوك لا يعني أنها ترتبط فيما بينها بروابط قانونية ملزمة من نوع ما يربط الدول المتكتلة بعضها إلى بعض، بل إن الروابط التي تصل فيما بين المحايدين هي روابط مبدئية قبل كل شيء، بحيث لا تتجاوز حدود المبادئ العامة إلى التفاصيل ولا تتغلغل حتى تمس الأهداف الخاصة لأية دولة محايدة أو جانب العلاقات العامة بيت هذه الدولة وبين بقية أنحاء العالم، ومن هنا نلحظ أن الفكرة الحيادية في خطوطها العامة، أو بالأقل من حيث الواقع الدولي الذي يتمثل فيه الآن .. هذه الفكرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت