فهرس الكتاب

الصفحة 5229 من 5287

والإله أمر (20، 8 VI) : لا انه يأمر الآخرين فيطيعوه ولا يأمر نفسه بالقيام بأفعال، انه مجرد الأمر وبالأمر تتم الأشياء.

انه الحرية المطلقة، انه الفرصة والفارق بين الفرصة والمناسبة، ان المناسبة تفترض الاتفاقيات، فهي من علامات حرية ناقصة كالحرية الإنسانية، أما الفرصة ففيها علامات القدرة والحرية المطلقتين*.

خاتمة:

نختتم هذه الدراسة المختصرة بالعودة الى السؤال الرئيسي الذي وضعناه في البداية: وما علاقة أفلوطين بمدرسة الإسكندرية؟

في الاجابة على هذا السؤال، يجب ألا ننسى المعنى الذي يجب اعطاؤه للعبارة «مدرسة الاسكندرية» :انها لم تكن مدرسة فلسفية بالمعنى المفهوم، بل كانت نزعة عقلية شاعت في مدينة الإسكندرية منذ بداية العهد الميلادي، و قوام هذه النزعة توجيه الفلسفة بوجه عام، والفلسفة الأفلاطونية بوجه خاص، نحو خلاص النفس ومعرفة الاله، والاتحاد به اتحادا يحقق هذا الخلاص. وقد مثل الهرامسة هذه النزعة تمثيلا واضحا في نهاية القرن الميلادي الثاني، وجاء اموينوس معلم افلوطين في هذا الوقت تقريبا ليحي الفلسفة الأفلاطونية القديمة، في جو سكندري هرمسي، بدليل سرية التعليم، وهذا القسم الذي أشرنا إليه في ما مضى.

وقد رأينا أفلوطين مدينا لهذا التعليم ولهذا الجو الروحي الإسكندري بما عمله لتحويل النظريات الأفلاطونية القديمة وخاصة نظرية الغالم المعقول. انه مدين للاسكندرية وللهرامسة بوصفه للعالم المعقول. هذا الوصف الذي يظهر فيه العالم المعقول في صورة تكاد تجعله محسوسا ملموسا.

هذا هو ميراث الاسكندرية، أخذه معه أفلوطين في رحلته الى الشرق. ولا نظن هذا الميراث قد تغير في جوهره أثاء تلك الرحلة، أو أن أفلوطين قد أضاف اليه جديدا اكتسبه كما قيل من ديانات الشرق. وقد كيف أفلوطين هذا الميراث العقلي باسلوبه الرائع في التعبير عن العالم المعقول (راجع بوجه خاص الفصلين الخامس و التاسع من المقال الثامن للتساعيات الخامسة) .

ونقول انه اذا كان افلوطين قد وقف في فلسفته عند هذا الميراث العقلي مكتفيا بصياغة شخصية رائعة لهذا الميراث، لا يستحق أن يكون فيلسوفا اسكندرانيا، بل لصح أيضا نطلق عليه لقب زعيم «مدرسة الاسكندرية» .

ولكن هذا الافتراض غير صحيح لأننا نعلم أن أفلوطين قد جاوز الإسكندرية وتعاليمها، وجاوز الفلسفة الأفلاطونية كما كانت تعلم بالاسكندرية. وقد رأينا معالم فلسفة أفلوطين في موضوع الإله، وكيف كان إنشاء هذه الفلسفة واسلوب التعبير عنها مرتبطين بفكرة الامبراطور الروماني، بحيث يمكن القول أن فكرة الامبراطور كانت مناسبة لتطبيق منهج التماثل في العلم الالهي، بل ربما أمكن أن تقول أن هذه الفكرة أعطت أفلوطين نموذجا واقعيا، أعانه على وصف الاله، وعلى التعبير عن التجربة الصوفية، وخاصة عن تلك اللحظة التي لا يمكن التعبير عنها في حقيقة الامر، وعلى وجه مباشر، عن لحظة الاتحاد.

* تطلق كلمة"الفرصة"في الكتاب المقدس، على اليوم الذي يختاره الإله للظهور و التجلي

«أما ذلك اليوم و تلك الساعة، فلا يعلمها أحد، ولا ملائكة السماوات. «متى 36:24»

«أما عن الأزمنة و الأوقات، فليست هناك ضرورة مالان يكتب لكم عنها

«الرسالة الاولى لا هل تسالونيقية 2:5»

«ناموا الآن واستريحوا لقد قضى الأمر وأتت الساعة» مرفس:14،41

وفي هذا المعنى يمكن الرجوع الى الآية الأولى من «سورة القمر»

(اقتربت الساعة وانشق القمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت