فهرس الكتاب

الصفحة 5230 من 5287

ولكنه يبقى بعد ذلك أن أفلوطين كان، بالرغم من كل شيء، فيلسوفا اسكندرانيا، لا بالطبع من حيث انه تزعم أو أسس مدرسة فلسفية بالاسكندرية، ولا من حيث أنه بقي تلميذا روحيا مخلصا لما سميناه «مدرسة الاسكندرية» ولكنه كان فيلسوفا اسكندرانيا، من حيث أن الهامه الأساسي يرجع الى الاسكندر نفسه، مؤسس مدينة الاسكندرية، والمسؤول في نهاية الامر عن نشأة فكر اسكندراني، كما أشرنا الى ذلك في كتاب سابق*

وقد يأخذ منا شرح هذه القضايا مأخذا طويلا، تتغافل عنه في هذه الدراسة المختصرة. ولكن يكفينا أن نسجل من ناحية أن نموذج (الإمبراطور) كما تمثل لأفلوطين هو أحياء لفكرة الحاكم العالمي التي ألهمت الاسكندر في القرن الرابع قبل الميلاد، كما بين ذلك اولريح و يلكن، من أكبر مؤرخي الاسكندر في العصر الحاضر.

ويكفينا أن نسجل من ناحية اخرى، أن الاسكندر لم يكن حاكما أو قائدا، أو محاربا فحسب، بل كان (مريدا) بمعنى أشرنا اليه في كتابنا السابق هذا: مريدا لاله الشمس والسماء، هذا الذي كان يستلهمه الاسكندر في بداية مشروعاته و فتوحاته؛ وان رحلات الاسكندر وتنقلاته المستمرة لم تكن في حقيقة الأمر الا مظاهر لشخصيته كمريد، بل ان هذه التنقلات التي لم تتوقف الا بموت الاسكندر، هي دلائل على أن الاسكندر كان «مريدا» قلقا، لم يبلغ مرماه.

وقد كان أفلوطين مريدا فلسفيا لأمونيسوس بالإسكندرية. أما وقد وجد شيأ من الاستقرار بجوار العاهل الروماني، فالأغلب أن هذا الاستقرار كان ذاته رمزا الى استقرارأعمق وأقوى، الى استقرار النفس بجوار الاله القدرة و المجد، هذا الإله الذي صوره أفلوطين تصويرا رائعا في «التساعيات السادسة و الأخيرة» . وعلى ذلك، فيصبح أن تقول أنه بهذا الاستقرار النهائي، قد ختم مطاف «المريدين» الاسكندرانيين السابقين، وعلى رأسهم أمامهم الاسكندر والملهم الأول لمدرستها.

الرباط ـ الدكتور نجيب بلدي

* «تمهيد لتاريخ مدرسة الاسكندرية و فلسفتها» دار المعارف بالقاهرة 1962

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت