فهرس الكتاب

الصفحة 5233 من 5287

حسنا جميلا يسر الناظرين، ولو رأيتم البخل رجلا رأيتموه مشوها قبيحا تنقر عنه الأبصار، أيها الناس أن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظك الناس عفوا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس منن وصل من قطعه، ومن لم يطب حرشه لم يزك نبته، والأصول عن مغارسها تنمو وبأصولها تسمو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ... ».

النوع التاسع: حفظ جانب جيد من مكاتبات الصدر الأول ومحاوراتهم والنظر في رسائل المتقدمين ليستفيد من كل ذلك تنوع الأساليب فيقلد المستحسن منها ويبتعد عما عجن. وقدم إلينا أنواعا شتى تدل على حسن ذوقه وكثرة عنايته بهذا الجانب التطبيقي في كتابه، فهو يعتمد دائما أن يردف النظريات بالأمثلة حتى لا يكون كتابه قاصرا أو ضعيفا، ومن الأمثلة التي ذكر قوله (*) : (ومن ذلك ما روي أن معاوية حج، فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل الحجون يقال لها الدارمية، وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها، فجئ بها، فقال: ما حالك يا ابنة حام؟ قالت لست لحام أدعى أن عبتني أنا امرأة من بني كنانة، قال صدقت -لم أرسلت إليك؟ قالت لا يعلم الغيب إلا الله، قال بعثت إليك لأسألك علاك أحببت عليا وأبغضتيني(*) وواليته وعاديتيني، قالت: أو تعفيني يا أمير المؤمنين، قال: لا أعفيك، قالت: أما إذا أبيت، فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لم بحق، وواليت عليا على ما عقد له من الولاية وعلى حبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفك الدماء، وجورك في القضاء وحكمك بالهوى، قال: ولذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك، قالت يا هذا بهند كانت تضرب الأمثال لأبي، قال: يا هذه أربعة فأنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة ثم خلق ولدها، وإذا عظم ثديها تروي رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكتت -قال لها: فهل رأيت عليا؟ قالت: لقد كنت رأيته، قال: كيف رأيته؟ قالت: رأيته لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك- قال لها: سمعت كلامه؟ قالت نعم والله كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ، قال: صدقت فهل لك من حاجة؟ قالت وتفعل إذا سألتك؟ قال نعم، قالت وتفعل إذا سألتك؟ قال نعم، قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها، قال: تصنعين بها ماذا، قالت: أغذي بألبانها الصغار وأستحيي بها الكبار وأصلح بها بين العشائر، قال: فإن أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي؟ قالت ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان وفتى ولا كمالك، يا سبحان الله أو دونه (*) فأنشأ معاوية يقول:

إذا لم أعد بالحلم مشي إليكم خديها هنيئا واذكري فعل ماجد فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم؟ جزاء على حرب العداوة بالسلم

ثم قال أما والله لو كان عليا ما أعطاك منها شيئا قالت ولا برة واحدة من مال المسلمين (*) .

وذكر المؤلف كيف يتصرف الكاتب في هاته المحاورات والمراجعات وكيف يقوي بها إنتاجه دون أن يأخذها على ظاهرها.

النوع العاشر: الإكثار من حفظ الإشعار الرائقة ليستعين بأساليبها على الكتابة وللكاتب في استعمال الشعر في صناعته ثلاث حالات: الاستشهاد والتضمين والحل، وذكر لكل نوع أمثلته الخاصة به.

النوع الحادي عشر: الإكثار من حفظ الأمثال النثرية والعشرية، قال (*) : (وقد أكثر الناس في تصنيف كتب الأمثال، فمن ذلك الأمثال لأبي عبيد وهو مرت على ترتيب الوقائع التي تقع فيها الأمثال ومن ذلك أمثال الميداني وهي مرتبة على حروف المعجم وفي آخرها جملة من أيام العرب إلى غير ذلك من كتب الأمثال المصنفة في هذا الباب كأمثال الضبي والقمي وغريها ... ) .

(*) صبح الأعشي ج 1 ص 259.

(*) إشباع تاء المخاطبة بياء بعدها لغة مسموعة، وقد ورد في حديث نبوي في مخاطبة المرأة: لو راجعته انظر كتاب (مشكلات اللغة العربية) لمحمود تيمور الطبعة الأولى 1956 صفحة 192.

(*) سياق الكلام لا يقتضي أن تكون هاته العبارة ضمن حديث الدارمية.

(*) أثر الانتحال يتجلى على أمثال هاته المحاورات.

(*) صبح العشي ج 1 ص 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت