فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وسدد كارلي النظر في بلادة، أكيد أن هذا الأبيض لم يستمع إلى الخطباء منذ حين ولم ير السيدة البيضاء وهي تمنح نكسلي سيجارة، لو رآها لصبت في وجهه كلماتها تلك وقال في نفسه:
الآن من الأحسن أن أتجه إلى القطار وأواصل التفكير في كل هذه الأشياء.
ونظرا إلى المحطة نظرة جادة، فأبصر بها كوكبة من الناس بيضا وسودا وسمرا مثله مجتمعين، لكن كلا منهم كان يشعر بخوف غير طبيعي من الآخر ويحذره، كل منهم كان سجين عالمه الصغير الضيق الموسوس، ألم يقل الخطيب أن علينا أن نحيط كل هذا النوع من التفكير، كل حسب وسائله؟ لكن ما هي هذه الوسائل؟ وكيف يمكن أن نثبط تلك الأفكار؟ وغمر ذهنه هذا التساؤل الملحاح، وعلى غرة اصر على التحدي وهو يلمح ضالته: المقعد، مقعد المحطة وقد صبغت فوقه بالحروف البيضاء جملة (خاص بالأوربيين) ولمدة من الزمن بدا له أن هذا التحدي يجسد مجتمع افريقيا الجنوبية المتمايز بأجمعه.
هنا إذن تحدى كارلي، تحديه الذي يؤكد حقوق الإنسان، انه مجرد مقعد خشبي عادي يشبه مئات الملايين في إفريقيا الجنوبية، لكن هذا المقعد يجسم الآن جميع شرور نظام لا يعرفه ويحس أنه ضحيته، إن هذا المقعد يحول الآن بينه وبين الإنسانية، فإذا اقتعده حقق إنسانيته وان لم يفعل فقد فصم نفسه كانسان عن المجتمع الإنساني، وراوده شعور باطني بأنه سيقلب كل هذا الوضع القاسي في إفريقيا الجنوبية فقط بجلوسه على هذا المقعد، إن هذه تجربته الخاصة فليجهر بتحديه.
وكان مظهره هادئا تماما حينما جلس، لكن قلبه كان يضرب بعنف، ففي أعماقه كان يتصارع صوتان متناقضان أحدهما يقول: (ليس لك الحق في أن تقتعد هذا المقعد) والآخر يجيب: (ولم لا يكون لك الحق في الجلوس على هذا المقعد؟) ، الصوت الأول كان يتحدث عن الماضي وسلوكه العبودي في الحقل، سلوكه وسلوك أبيه وجده الذين ولدوا سودا وعاشوا عيشة السود وماتوا كالعجماوات، والصوت الآخر كان يتحدث عن الآفاق الجديدة: (كارلي أنت رجل، لقد استطعت القيام بشيء لم يستطعه من قبلك جدك ولا أبوك، وستموت كرجل) .
وتناول كارلي سيجارة وشرع يدخن، وغاظه قليلا ألا يكون أحد قد لاحظ جلوسه على المقعد، لقد كان رجلا كبقية الناس يجلس على مقعد عمومي في محطة غاصة ويدخن سيجارة، فهل هذا يعد نصرا؟ وهل يعد انتصارا ان كان إنسانا كالآخرين؟ ورأى امرأة بيضاء أنيقة تسير على الرصيف فتساءل في نفسه: ترى هل ستجلس على المقعد؟ ثم تابع تساؤله: (عليك أن تقف وتترك مقعدك للسيدة البيضاء) ورمشت عيناه بسرعة وشد أكثر على سيجارته، ومرت المرأة حذاءه دون أن تعيره التفاتة وتابعت مسيرها على طوال الرصيف، فهل خشيت أن تتحداه؟ أن تتحدى حقه في أن يكون إنسانا؟ وأحس أنه متعب، وانبعثت بأعماقه فكرة ثالثة جعلت كل شيء فيه محط تساؤل: (انك تقتعد هذا المقعد لأنك متعب) فهل تسمر في موضعه لما به من عياء أم لأنه أراد أن يختبر إن كان في قدرته الجلوس حيث يحلو له؟.
بدا الناس ينزلون زرافات من قطار دخل اللحظة المحطة وهم يتدافعون ويتزاحمون دون أن يعبأ أحدهم بوجوده، انه القطار الذي ينتظر، وان بوسعه أن يركبه ويدخل منزله، لكن هذا يعني أنه سيستسلم ويرضى بالهزيمة ويعدل عن تحديه فيكون بالتبعية قد قبل أن يكون غير إنسان، فمكث جالسا يجذب نفسا من سجارته ويفكر نائيا عن التجمع وعن المقعد، كان يفكر في بيتجسفلي وفي أوكلاس الذي أصر على ذهاب كارلي إلى كاب تو، اوكلاس الذي كان يداعب غليونه وينظر إليك باستهزاء، كان حكيما يعرف أشياء كثيرة ويقول انه يجب الذهاب إلى كاب تو لمعرفة معنى الحياة، اوكلاس كان يبصق ويغمز بخبت عندما يتكلم عن النساء اللائي عرفهن في شارع هاتوفر، وكان يقول: إن الله خلق البيض والسود فعلى كل منهم أن يلزم مكانه.
-انهض من هنا.
لم يسمع كارلي الصوت الخشن .. وواصل أفكاره: هناك أوكلاس ينتظر الآن في المراعي ليحمل إليه كأسه الصغير من الخمر المناسب الثمن.
-أقول لك قف من هنا أيها القذر.
واستعاد كارلي على الفور وعيه وكاد ان يثب على قدميه لكنه تذكر من هو ولماذا كان يجلس في ذلك المكان، وشعر بغتة أنه متعب حقا ثم رفع عينيه ببطء إلى الوجه القرمزي الذي يحدق فيه.
-قف، ان هناك مقاعد لك.
لم ينبس كارلي وظل محتفظا بنظرة باردة صارمة.