فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 34
فأنت ترى أن هذه الآية لم تطلب منهم استعمال عقولهم فقط، بل أشارت بتكوين ظرف للتفكير أدعى إلى الاستقلال وإثبات الشخصية، ذلك بالابتعاد عن الظروف التي تضعف فيها الشخصية، والانفراد حالة التفكير ليتمكن منه باستقلال عن جميع المؤثرات.
2)قوله تعالى في سورة القيامة آية 14، 15: ?بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ?، وهاتان الآيتان أعطتا للإنسان -كشخص مسؤول عن تصرفاته- قيمة واقعية كبرى، فقد جعلته رقيبا على نفسه يتحمل تبعات عمله وحده، ولا ينفعه إقناع غيره بحسن سلوكه متى كان ذلك مخالفا للواقع ولو استطاع ستر نفسه بضباب المعاذير.
3)وأبرز شيء في هذا الموضوع هو إكثار القرآن الكريم من استعمال الكلمات الدالة على حركة الفكر مثل العقل، واللب، والتفكير، والتدبير، والعلم، والفقه، والنظر، والاعتبار، والتذكر، ومدح الذين يفكرون ويتدبرون ويعقلون. وذلك لا يوجد في كتاب سماوي غيره.
4)احتفاظ المرأة بشخصيتها إزاء زوجها، وإعطائها الحرية التامة في التصرف المباشر في شؤونها المالية من دون أن توجب عليها الرجوع إليه وأخذ رأيه، وذلك تركيز لاستقلالها الشخصي وإعطائها مكانتها بصفتها كائنا بشريا له نفس الوضعية والقيمة التي للرجل.
كل ذلك وغيره يدل على أن الإسلام يريد من الإنسان أن يكون مستقلا في تفكيره لا تذوب شخصيته في غيره ولا يضمحل وجوده مهما كانت الظروف التي تحيط به والقوى التي يتفاعل معها.
كان لهذه الخطة أثرها الملموس العاجل في عقلية المسلمين فلم يجد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه غضاضة في أن يخاطب الحجر الأسود بقوله: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
ولم تجد المرأة مانعا من أن تقف في وسط المسجد وتعلن معارضة عمر في تحديده للمهر، ورأى ذلك عمر أمرا عاديا فقال أصابت امرأة وأخطأ عمر. ووجدت جميع ضروب التفكير المهد الوثير والملجأ الأمين في الوسط الإسلامي، وترعرعت الفلسفة على اختلاف ضروبها في المجتمعات الإسلامية، وكل ذلك في إطار الإسلام بل وبمباركته وإشرافه.
ونبغ في العالم الإسلامي فلاسفة كبار، ومفكرون عظام، جالوا في جميع ميادين التفكير من غير أن يروا في معتقدهم الديني ما يحجر عليهم تفكيرهم ويضيق نطاق عقولهم، ومن دون أن يروا في مذهبهم الفلسفي ما يخرجهم عن نطاق الإسلام وتعاليمه.
وهكذا خرج الإسلام بالإنسانية من طور الخمول والظلام والركود إلى طور كله حركة وبناء ونور وإشراق، وحاز المسلمون شرف الاحتفاظ بالحضارة القديمة ونقلها بأمانة إلى الأجيال التي بعدهم، بل لم يكن دورهم مقتصرا على النقل، فقد استطاعوا أن يكتشفوا مجاهل في نطاق المعرفة كانت هي الأساس الذي مهد لهذه الحضارة طريق الظهور والكمال.
وبرزوا في ميدان الدراسات الروحية وأتوا فيها بالعجب العجاب واستطاعوا أن يغوصوا في أعماق بحار لم يستطع غيرهم حتى الوقوف بسواحلها.
وتمكن المسلمون بتطبيق هذا المبدأ القرآني من الاستمرار في قيادة الفكر وزعامة العالم في الحضارة والتمدن أكثر من ألف سنة.
وهكذا أخذ الإسلام في طور نقاوته الطابع الحقيقي الذي بينه الله في كتابه العزيز سواء في صريح آياته، أو في مستلزم قضاياه.
وقد أخذ هذا الاتجاه يتحول شيئا فشيئا وبصفة تدريجية، حتى أصبح لمفهوم كلمة الدين معنى آخر غير هذا المعنى الذي كان لها يوم أرسل الإسلام أشعته الدافئة على المعمور.
أصبح الطابع العادي للدين هو تطبيق مجال العقل وتحجيره ومنعه من آية حركة تحريرية، وحجزه عن الولوج في كل الميادين الذي ولجها المسلمون يوم كان الإسلام في نضارته وإشراقه. وقد استمر هذا الاتجاه يعمل علمه حتى أصبحت المثالية في الإسلام هي الانقطاع عن الحياة والبعد عنها، فأحرى البحث فيها ومحاولة استكناه حقائقها.
أصبحت المثالية في الإسلام هي أن فلانا يقاطع أكل البطيخ، لأنه لم يعرف الكيفية التي كان يأكله عليها الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن فلانا اشترى السراويل ولم يلبسه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه فعل ذلك،