فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 35
واعتبار ذلك مثالية في الاهتداء ونفاذا إلى صلب الدين.
وأخذ المؤمن المثالي صفة سلب الإدارة والقضاء على الشخصية وتوقيف العقل على العمل واعتبار القيام بأية حركة فكرية حائلا دون التقدم في ميادين المعرفة والتقوى، لأن فيه إغضابا للأستاذ وحطا من قيمة الشيخ، وتعرضا لسخط الله ونقمته، وبذلك صارت وضعية الشيخ أو الأستاذ تتقارب إلى حد بعيد مع وضعية الراهب أو الكاهن وغيرهما من زعماء الاستعباد الروحي.
وهناك كلمة جرت على ألسن العامة كان لها الأثر الكبير في نفوس عامة المسلمين وهي قولهم (سلم للخاوي تنج من العامر) تكررت على الأفواه وكأنها ءاية قرآنية محكمة أو حديث متواتر، وكانت تقضي على كل محاولة لتحريك الفكر وتسكت كل نأمة للتحرر، إلى غير ذلك من مظاهر الإسفاف وضروب العبث.
والأسباب التي أدت في نظري إلى هذه الوضعية أمور:
1.اعتقاد المسلمين أن القرءان الكريم قد أدى مهمته وانتهى منها وأنها قد تبلورت في كتب الفقه والتصوف، فلم تعد هناك فائدة في تدبره ولا في تلاوته إلا على سبيل التبرك.
2.وانتهى هذا الاتجاه إلى تحريم تفسيره وفهمه، واعتبار أنه ربما أدى إلى الخروج عن دائرة الإسلام!! ولم يتردد شياطين هذه الدعاية من استغلال السياسة لتركيزها في أذهان الناس فأعلنوا أن تفسير القرءان الكريم فيه إساءة كبرى للسلطان لأنه يؤدي إلى موته، وقالوا نفس القول في صلاة الاستسقاء، ولم يقض على هذه الدعاية المسمومة إلا جلالة الملك محمد الخامس، فأصدر أمره بدراسة التفسير في القرويين كما أصدر أمره بإقامة صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها.
3.إقبال جمهور المثقفين على كتب ألفت في عصور الظلام والتحجر الفكري مطبوعة بطابع الجمود ومشحونة بالتحذير من كل حركة عقلية أيا كان نوعها، نازعة من المسلم كيانه الشخصي، محبذة له الذوبان في غيره.
4.ما فعلته العناصر الهدامة التي تسربت إلى أوساط المسلمين، فقد عملت على القضاء على روح الإسلام، وبث تعاليم أخرى باسمه لا صلة بينه وبينها وإنما هي رواسب متحدرة من أديان وثنية سابقة.
كل هذه العوامل فعلت فعلها في أوساط المسلمين وصار الدين الإسلامي من الوجهة الفكرية شديد الشبه بالأديان التي سبقته، وتحقق بذلك ما تنبأ بع الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع»
وهكذا ران على المجتمع الإسلامي الركود المفجع والنوم العميق، بعد أن كان يعج بالحركة والنشاط، وأصبح المسلمون أشبه شيء بالموتى، وأوساطهم أِِشبه شيء بالمقابر.
وبذلك انحرف جمهور المسلمين عن الطريق الذي سنه لهم قرآنهم الكريم المبني على التحرر، وتمجيد العقل، على طريق كله تنكر للعقل وهضم للشخصية ومحو للاستقلال الذاتي.
وقد كان لهذه الوضعية نتائجها الحتمية وعواقبها الوخيمة في المستوى الفكري والثقافي للمسلمين، فانكمشوا على أنفسهم ورضوا بواقعهم، وتحجرت عقولهم وأغلقوا على أنفسهم جميع منافذ الحياة ومنابع النور، بعد أن كانوا قد خطوا الخطوط الكبرى لبناة الحضارة الحديثة.
وبما أن من سنن الله التي بثها في خلقه أن ينال كل جزاء عمله، وأن يقع تحت حكم ما قدمت يداه، فقد تأخر المسلمون عن ركب الحضارة وتنازلوا عن زعامة العالم، وانتزع منهم غيرهم رايتها، وهذه الحالة من أكبر الأسباب التي جعلت كثيرا من المستشرقين ينظرون إلى الإسلام بمنظر وضيع ويحملونه مسؤولية تقهقر المسلمين رغم ما يجدونه في أصوله من نصاعة ونقاوة وحيوية وقوة، وصاروا يحاولون إقناع المسلمين بالتخلي عن الإسلام كما تخلوا هم عن المسيحية إذا أرادوا اللحاق بهم والوصول إلى حيث وصلوا.
وهكذا يسيء الجامدون إلى الإسلام من حيث أرادوا الإحسان إليه.
والخلاصة أن الإسلام دين العقل والقوة والصراحة والاعتراف بالشخصية الإنسانية وتكوينها تكوينا صحيحا، وكل ما لاكته ألسن الجامدين من المتأخرين، إنما هو خروج عن الجادة الكبرى التي خطها الإسلام وانحراف عنها باسم الدين إلى أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فعلى قادة الفكر في الإسلام أن ينظروا من جديد في ينابيع الإسلام الأولى الصافية، وأن يزيلوا عنها الطفيليات التي اختلطت بها وكادت تخفيها إلى غير رجعة، لولا أن الله تكفل بحفظ شريعته من الاندثار يوم قال: ?إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ? [الحجر: 9]