فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 69

يتعين علي ابتداء، أن أبين، أن ما تمثله هذه الغنائية الدافئة (قل إنك تحبني) من عواطف، ليس بالضرورة ناشئا عن واقعية معاشة، مستمدة من تجربة انفعالية عرت منشتها، بقدر ما هي عواطف تتجاوز التجربة الفردية، إلى مجال الإنسانية. وإن كان من الطبيعي، أن يختلج بها قلبي في يوم ما، كاختلاج قلوبهم بها، وقلوب أناس كثيرين، ما دامت هناك حياة إنسانية قائمة، وقلب ينبض، وشعر وشاعر يعيش الحياة في عمق، ليوفر للنفس الإنسانية كل احتياجاتها الوجدانية، ويردد على نايه أرنان القلوب.

فإذا ما تضمن شعر ما، شيئا من نفس الشاعر، من تجاربه الدفينة البادية فيما وراء اللاشعور، ثم تضمن حظا من الإنسانية العامة. إذا ما نجح الإنسان الشاعر في ذلك، فعلينا أن نحييه، أن نشد على يديه بتحيات المودة، وأن نضم الصدر على كلماته، لأن الأديب كما يقول (ميخائيل نعيمة) : (لا يستطيع إلا أن يعبر عن جانب من حياة مجتمعه إذ هو يعبر عن جانب من نفسه .. ثم أبرز الشخصية الإنسانية بوصفها محورا للأدب، فكل أدب لا يعود إلى الإنسان، ويمس الإنسان في ضميره، ليس أدبا) .

وليس شرطا أن يصدر الشعر عن الروح الإنسانية العامة، وان يلتزم الارتباط بهذا المضمون دائما، لأن هناك من الشعر ما هو قائم على الذاتية النابغة من معين الحياة الخاصة، كما أن هناك ما هو موضوعي، يتصف بالغيرية، كالملاحم والشعر القصصي ( BALLAD) وغيرهما.

وهذا الاتجاه إلى رصد الحالات النفسية الإنسانية، والتعبير عن عواطفها وأحلامها، إنما هو خاص بشعر (السونيت) الذي لا يلتزم فيه عرض الذات، والمكبوتات النفسية، بل يكفي في هذا الشعر، أن يتمثل العواطف الإنسانية العامة، ويعيشها بإمكانية تجاربه، ويعبر عنها في صدق، فيه أثارة موحية، تخلق جوا من التجارب المشترك، حيث يمكن القول بان كل إنسان يرى نفسه، وأحلامه، وآماله ورغباته، وانتصاراته في صور هذا الشعر، ذلك أن الحالات الوجدانية العامة من حب وحزن وفرح، يشعر بها كل إنسان، وليس هناك حالة يمكن القول بأنها فردي صرفة، لأن الإنسان (أي إنسان) ليس قائما بذاته، ومنفصلا عن الحياة الإنسانية، حتى في أفراحه الخاصة به التي يودعها شعره، غنما يقصد بها عرض الذات، ومشاركة الناس إياه، وهو حينما عبر عن نفسه إنما يقصد غيره، وعلى ذل هو يطبع شعره بما يضارع الحالات النفسية العامة، وأن لم يقصد لذلك، فإن شعوره لا يمكن أن يخرج عن مجال الإنسانية بصورة عامة، وان كان هذا الأدب الذاتي، لا بد، وأن يتميز بنوع ما من الصفات، والمميزات التي تتسم بالأصالة الذاتية، والتي يتميز بها شاعر عن آخر بالإضافة إلى ما يرتبط به الشاعر من نظريات وفلسفة، وأفكار، يلتزم بها في أعماله الأدبية.

وهذه الغنائية الدافئة (قل إنك تحبني) تمثل شعر (السونيت) في صورته الانطلاقية من شكلية (المدرسيين) .

وكان شكسبير الإنسان العظيم، ممن تجاهلوا الالتزام برتوب هذه القواعد التقريرية المتحجرة، التي قيد شعر (السونيت) .

كما نجد الشاعر (ورد سورث( Word Sworth) يكتبه (سونيته) بالشعر المرسل، ومن بعده (اليوت) في عصرنا الحديث.

وأنه، وإن تكن حركة التجديد-بكل ما تنطوي عليه من طاقة الخلق، الهادرة بدم الحياة- قد ذهبت بكل ما لا يحمل في ذاته عنصر الصلاحية للبقاء، أمام المستويات الفنية بمضامينها وإشكالها، إلا أنها أبقت على قيم أخر، ظلت ثابتة، أمام حركة التجديد، وذلك بفضل ما تنطوي عليه هذه القيم من حيوية قادرة على مواجهة الحياة، بروح من الانفعال الحي، والتجارب مع الإنسانية العامة.

وشعر مدرسة الجديد، تقوم فنية الأدب فيه على صور موحية، ترى فيها الإنسانية نفسها، وطبيعتها. صور يتم عن طريقها التمثل الحي للأدب. وكما يذكر (ميخائيل نعيمة) أنه يجب(توثيق العلاقة بين الأدب والحياة. وهذه العلاقة كانت مفقودة في الأدب العربي، وعلى الأخص طوال فترة انحطاطه، ثم أبرز الشخصية الإنسانية بوصفها محورا للأدب، فكل أدب لا يعود إلى الإ

نسان، ويمس الإنسان في ضميره أدبا) (1) .

(1) من حديث أدلى به نعيمة في البرنامج الثاني لإذاعي القاهرة في التاسع وغلى مراسل جريدة المساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت