فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 70

كما يقوم شعر مدرسة الجديد، وتقوم دعائمه المذهبية على روعة الإخراج، بكافة إمكانيته من الأضواء، والظلال، والأداء الفني الغني بكل ما هو جميل في ذاته، وصادق وبسيط، فما الفن إلا للبساطة، بجانب التعبير عن مناحيها الإنسانية، وتسجيل حركة الانتصارات الاجتماعية، والسياسية والثورية والوطنية، والفنية، والتجارب معها، والمساهمة في دفعها إلى الأمام.

وثمت أيضا الخلق الفني، خلق كلمات تمور شرايينها بدفء الحياة، والأعراض عن موات الألفاظ المحنطة في بطون معاجم اللغة، ما مل يكن لها قدرة على التمثيل الحي للوجود مرة أخرى، كان يكشف أديب بحسه اللغوي قيمة فنيتها الشعرية، فينفخ فيها الروح ويخرجها للنور، كمن يهب الحياة مرة أخرى.

ذلكم أحبائي! شعر المدرسة الجديد، كل ما ثمت جمال .. وعطر .. وألوان .. ونغم يسيل .. وقلب مقهور الأنفاس بكل هنا، وهناك، يقظة تحت دفء أشعة الشمس، أو نائمة خلف الأستار المسبلة مفتون بكل هبة رخية من النياسيم وشذى من الاشذاء، بشعر كل شيء بوجوده.

وهو إذن موسيقية مرهفة الحس، تتسع وتلتقط كل تسبيحة مهموسة تحت جناح الفجر، أو دبيب نمل يجر، أو يدفع حبات بر لقوته ... وكل صوبت مجلجل جليل، أو نغمة عذبة حنون من أرنان الطبيعة، وهداة الصمت، والاطياق الحالمة على ضفة نهر السلام ..

ذلك أحبائي: شعر مدرسة الجديد. انه ملاك مجنح .. مفنون بوجوده .. بجماله .. بصفاء سعادته حيث الفراشات الملونة كأطياف (قوس قزح) والغاب الأخضر يردد الغناء، حيث يتنفس كل شيء بهدوء .. هو الصفاء في كل شيء .. انه ملاك شغوف بروعة الجمال، ودائب البحث عنه كل مكان، لا يسكن له قرار، ما دامت هناك زهور نادرة لم يكتشف شذاها بعد .. وبراعم عذاري خجلة مطوية الأيدي على عيونها الحالمة خشية أنظار الفضوليين، ها هو يجدها ويهمس في أذنها: ها قد وجدتك أيتها الجميلة! فيلامها وتلامه بأنفاسها العبقة، وتدع الأحلام ترف حوله، وهو يتابع رفيفه على طول الطريق.

إنه ملاك مفتون بوجوده بمقدارة فنه، لكته لا يزال به شوق لذلك هو يتمرد على القيود، على العلم بالغيب، وينشد المزيد من المعرفة المجهولة .. وكان أن كل من التفاحة المحرمة، وانتشى بلذة خمرها، وإذ ذاك ألفى نفسه وحيدا خرج باب الفردوس، مبتل الجناح، على أرض منداة، أنه آدم آخر خرج من الجنة، على أرض البشر، الأرض المثقلة بالشقاء .. أنه (بروميتيوس) الذي تذب في سبيل الظفر بشعلة النار، ه من اجل حرية بني البشر .. ولكن هذا الملاك الطريد إلى ارض البشر لم ينس بعد يقظته، وخطيئته، أنه ملاك رسالته أن يمنح السلام، والحب، والكلم الطيب، ولا يبعض أحدا ..

وهكذا أخذ ينفض الهدوء هنا، وهناك وينير بالضوء الغامر كل ذبال في قلب الأكواخ، ويسمح بيديه الرفيقة عرق العناء المتصبب على جباه الأشقياء ويسعد كثيرين ..

وإذا كان في هذا التفسير ما يحمل على الاعتقاد أو الظن بالانتصار لشعر مدرسة الجديد، انتصارا مطلقا، خاصة نحو أولئك المتشيعين للعشر المطلق من القيود، فقد وجب الإيضاح، والتفسير، الصحيح. فالمؤاخذات إنما هي قائمة موجهة ضد المواضعات التقليدية في الشعر العربي، خاصة عند المدرسين، الذين ينظرون إلى الشعر على انه صناعة رصينة، لا لا كفن، يقوم على الإيحاء، والإثارة، والتجارب مع الحياة الإنسانية في إبعادها، ومع الهامدة، والشكليات القائمة على الاستعارات، والكنايات، والتشبيه والطباق، في ضيق آفاقها الصناعية.

ومرة أخرى ليس في هذا التفسير ما يشعر أو يحمل عن الظن بالدعوة إلى نبذ الأوزان التقليدية، واتهامها بالعقم والجمود أمام حركة التجديد، وإنها لا تسع الروح الجديدة، وليست لها القابلية لتقبل المستويات الفنية، بمضامينها، وإشكالها، وعدم القابلية للتجاوب مع مقتضيات الحركة التجديدية في الصياغة والأفكار، والفلسفة والمعاشة أو الملتزمة، فهذه دعوى مردودة على أصحابها، ويبطلها بكل تأكد الشعر العربي القديم نفسه، وعلى الأخص شعر المعري الذي أودع شعره فلسفة تكاملية ملتزمة، وعبر عن مفاهيم الوجودية من قلق، وشك وهجران (وهذه الظاهرة هي ما اعمل على إيفائها حظها من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت