فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 71

الدراسة) كما التزم بتحمل مسئولية مذهبه، كأفضل وجودي في عصرنا الحديث، عبر عن كل ذلك في بساطة لا تجاري، وطواعية في الأداء، وأين فعل كل هذا .. في الاوزتن التقليدية التي وصفت بالعقم والجمود.

وإن كان أديبنا الإنسان الشاعر، والأديب (مخائل نعيمة) قد حمل على القافية الواحدة حين تحدث إلى مندوب جريدة المساء عن الايطار الجديد للشعر، فقال:(لم انظم في أيطار القديم، وارى أن القافية الواحدة تتسلط على القصيدة، ولا مبرر لذلك، إلا أن الأقدمين جروا على ذلك، فليس من الممكن أن يتقيد الإنسان الشاعر بهذه القافية، ويكون شاعرا حرا، بل عبدا، فحاولت أن أجعل الفكرة في وحدة الموضوع في الشعر، واستقلت القصيدة من القوالب القديمة.

ما نفيت أن زماننا غير زمان الأقدمين، واليوم نجد هناك تيارات جديدة، ولهذا يحس الأديب الحديث بشيء من القلق).

ويجاريه في هذه الفكرة المرحوم أحمد أمين حين يقول: ليست وحدة القافية بالأمر المقدس الذي لا يصح أن نخرج عنه، ولكنه أمر اعتباري وتقليدي مرده إلى الأذن الموسيقية).

والمهم أن الشعر احتفظ بوزنه، وان كان متنوع القافية، وقد استطاع الشعر الحديث أن يحتفظ بالأوزان مع تلون القافية، وتوليد أوزان جديدة.

وشعر المهجريين، وعلى رئسهم أبو ماضي الذي طوع هذه الأبحر الخليلة-التي وصفت بالضيق والرتابة- وأودع فيها خلاصة الفن في أعلى مستواه، فن يقوم على الفكرة الهادئة، والوجدان والفلسفة الحياتية المعاشة، وعلى كل جليل في ذاته وجميل ونبيل وبسيط ... وما يمكن أن تصل إليه المستويات الفنية من حيث الصياغة الشكلية، ومن حيث المضمون الفكري، ولا ننس بعد هذا أن الموسيقى، والحركة الانسجامية جزء هام من الشعر، فالوزن بمثابة عصا (الاوركيستر) لأداء سيمفونية عظيمة، وهنا يظهر عيب من عيوب الشعر الحديث المطلق، فكثير منه يخلو من عنصر النغم الموسيقى بصورة واضحة تبعده عن مجال الشعر إلى النثر العادي المرسل من كل القيود .. والشعر عند النقاد يقوم على أصول ثلاثة: هي الحياة الإنسانية، والحياة العاطفية، والحياة الفكرية.

والقضية هنا تتصل، وتنحصر أولا، وأخيرا في شخصية الشاعر، وقدرته الخلاقة، لا في نوع الشعر من كونه مقيدا بالقافية والروي، أو مطلقا منهما، فهناك شاعر يحمل عصا سيدنا موسى السحرية، يحتل بها الخشب إلى روح تتحرك، وشاعر وشاعر آخر يحمل عصا خشبية، يهرول بها كالمجنون. وللتدليل على صحة هذا الرأي اقرأوا (طلاسيم) أبي ماضي، بل عامة شعره، وغير أبيس ماضي، كأبي شبكة وصلاح لبكي، وغير هؤلاء. بل تشمل هذه الحقيقة الشعر العربي القديم نفسه ذا الأوزان التقليدية، لنقرا الآن هذه الصورة الشعرية الهزلية (الكاريكاتورية) التي تصور الطبيعة الإنسانية على حقيقتها الوضعية، ونفاق هذا المجتمع الإنساني الذي لم يتغير رغم تقدم المعرفة، وكيف نرى حظ البائس في هذه الحياة، وأثر المظاهر الزائفة في نوع المعاملة والسلوك بين الجماعات، فأنت تستطيع أن تلج كل باب مغلق، أو مجتمع ارستقراطي، إذا أصلحت من هيئة مظهرك بمعطف نظيف ولو كان مستعارا من بائع الملابس المستعملة، وترفع رأسك قليلا دلالة على العزة والنعمة، وان كانت جيوبك تصفر فيها الرياح الأربعة. وتحفظ بعض العبارات الشرفية ترددها مع من تحدثه. مثلا:

-من يكون لي شرف التحدث إليه .. على أن اذكر أن كل شيء لم يكن يسير في طريقه الصحيح هذا اليوم ... انظر بنفسك ما على الآن من لباس متواضع .. ابن اللعنة الخادم ضيع مفتاح خزانة اللباس، ولكن ما العمل الآن ... وقد وقع المحذور .. آه! ما الفائدة الآن من الكلام .. فعلى المرء أن يعرف الصواب عندما يتصرف في حياة الغير .. »

وعند هذا الحد يستطيع أن يلج هذا البائس أي مجتمع، وأية حفلة من غير بطاقة الدعوة ولو كانت حفلة (كوكتيل) يقيمها (علي خان) .

فستلقى عند الباب الرحيب والاحترام، وعلى العكس لو لبست أسمالا بالية عليها أثار الايدام، ونوافذ القرضة، وعفرت وجهك قليلا، فعندئذ ستطرد أشنع طردة، وتودع بسيل من السباب ولو كنت في حقيقة الأمر تملك كنوز سليمان أو على الأقل جواهر (المهراجا برودا) الهندي. لنقرأ هذه القطعة الشعرية التي تصور هذه الصورة الفنية لحقيقة حظ البائس المحروم، والتي يرويها لنا محمد بن علي الكازروني. قال: أنشدونا أبو العلاء: (1)

(1) انظر كتاب (أبو العلاء وما إليه) للراجاكوتي ص 4 من ملحق الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت