فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص81

منذ ذلك العهد البعيد، قبل أربعة عشر قرنا أو يزيد، بينما العالم يعيش في نظم كلها أثرة وأنانية وقسوة .. يعيش القوي على حساب الضعيف .. على حساب عرقه ودموعه وأعصابه، وحيث كان القادة والمسئولون يعيشون لأنفسهم لا للجمهور، وحيث كانت القوانين تفرض لا لتقيم عدلا أو ترفع ظلما .. بل لتزيد القوي قوة، والمستبد غطرسة، في الوقت التي تضيف إلى الضعيف ضعفا وإلى الفقر ذلة وعجزا

منذ ذلك العهد البائد-لا رد الله له غربة- طلع الإسلام على الناس بفكره التضامن الاجتماعي ممثلة في اشتراكية الزكاة، فكرة التضامن أو التكافل الاجتماعي التي لم تظهر في أوروبا إلا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث بدأت عملها الضيق المحدود في نطاق الهيئات المحلية التي كانت تقوم بإعانة المحتاجين لقاء شروط قاسية، من أهمها تنازل المحتاج عن حقه في الانتخاب للجمعية التي تعينه أو للحكومة التي تمده.

أما الإسلام فقد جاء بفكرة التضامن الاجتماعي أو اشتراكية الزكاة دون شريطة، فأعلن أن الناس متكافلون في الحياة، وان على المجتمع حكومة وشعبا أن يرعى أفراده العاجزين، فهؤلاء حق في أموال الناس وأموال الدولة، وان ضمان حياتهم وكرامتهم من ألزم الواجبات التي يطالب بها الشعب والحكومة على السواء (يقول عليه الصلاة والسلام) : (أن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، إلا وان الله يحاسبهم حسابا شديدا، ويعذبهم عذابا أليما) (رواه ابن حزم موقوفا على علي، ورواه الطبراني مرفوعا) .

فلفائدة تلكم الطوابير المتلاحقة من المتسولين، الذين يموجون في شتى مدن المغرب كالسيل الزاحف، والذين جعلوا عشرة أيام قضيتها بفاس، أشد وطأة على نفسي من عشر سنوات عشتها بعيدا عنها ... اولئكم الذين يثيرون اهتمام عديم الاهتمام بملاحقتهم الناس هنا وهناك، يعرضون عليهم-وخاصة على الأجانب منهم- مأساتهم الإنسانية الكاملة التي تعبر في بلاغة مثيرة حقا عما فعله الاستعمار بهذا الوطن الحبيب، وعما نشره في ربوعه من ألوان الوحدة والتناغم والانسجام، متمثلة هذه جميعها في هذه الطبقة من مجتمعنا، هذه الطبقة التي تحالف عليها الفقر مع الجهل والمرض فتبرها تتبيرا.

لفائدة هؤلاء المعذبين، ولصالح ميزانيتنا المغربية التي بلغ عجزها هذا العام سبع مليارات من الفرنك لمصلحة التسيير فقط، أتوجه بطلب إلى (جلالة الملك) أن يصدر قانونا بمشروع ضريبة جديدة تسمى (ضريبة الزكاة) قيمتها اثنان ونصف في المائة تدفع سنويا دفعة واحدة، أو على أقساط، طبقا لنصوص الشريعة الإسلامية باعتبارنا دولة إسلامية، تشمل جميع الأغنياء دون استثناء، ويخصص مدخولها لعلاج مشكلة الفقر والتسول أولا وبالذات (إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية) هذه المشكلة التي يجب أن تدرس دراسة موضوعية إحصائية حصرية، وان توضع لها الحلول الدائمة المنتجة، لان هذه الحلول الارتجالية الوقتية التي تعالجها بها أغلبية جمعياتنا الخيرية، والتي تشبه في رأي الطب علاج مرض السرطان بحبات الأسبرين.

أن الفضيلة ستبقى في إجازة، والأخلاق في كاد، ما دامت كل هذه الفروق في المستويات موجودة بين شطري الأمة تسحق سلوكها وقيمتها سحقا، وما دمنا نعالجها بالحمدلة والحوقلة فقط لا غير، أن الشجاعة هنا هي العلاج وبدون شجاعة لا توجد معرفة، ولن توجد أيضا فضيلة.

أن العدالة الاجتماعية أبجدية زكتها الإسلام منذ أحسن بأنها هي الفضيلة، وهي العلاج، وهي ليست روسية الجنسية شيوعية الدم كما يشاع، كما أنها ليست الابن الشرعي للنظام الجمهوري كما يظن .. فانجلترا ليست شيوعية وليست أيضا جمهورية، وهي التي رفعت الضريبة التصاعدية إلى 94 في المائة، وأممت في سرعة البرق الملكيات الإنتاجية الكبرى لفائدة الأمة عموما والصالح العام.

لقد سجلت اللجنة المالية لمجلس النواب المصري في تقريرها عن مشروع الميزانية العامة لسنة 1950 ما يأتي بنصه:

«أن تنمية الموارد الدخل القومي وكفالة العدالة الاقتصادية هي السبيل إلى الإصلاح الاجتماعي الذي يبرئ المجتمع المصري من إدارته، وان مصر تعاني من قلة الإنتاج وهبوط مستوى الدخل ما تعاني، وانه يجب العمل على رفع مستوى الغالبية العظمى من الشعب التي افتقرت ولا تزال تفتقر .. إلى مطالب العيش الأساسية لكي تحول دون انتشار النزعات المتطرفة، إذ ليس ثمة شك في أن انحطاط مستوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت