فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 100
وسجلماسة قطر مهم يعتبر صلة وصل بين الصحراء وداخل البلاد، وقد اختطها عيسى بن يزيد الأسود على رواية، ومدرار بن عبد الله على أخرى. وكانت تتميز بسمة الحسن في طبيعتها وهيئة بنائها، وقد سيطر عليها بنو مدرار الذين ينسبون إلى مكناسة، وانقرض حكمهم على يد مغراوة ... ولكن مغراوة لم تحسن السير مع سكانها، وسرعان ما حل الناس سيطرتهم، وواتتهم فرصة ظهور ابن ياسين فأرادوا التخلص منهم نهائيا ... وهكذا رأيناه يفتح هذه المدينة، ويقطع منها دابر الفساد الذي عشعش في قصورها ودورها، وانزل ضربة قاضية بالأمر مسعود ابن واندين الزناتي. وهكذا أصبحت ساحة سجلماسة وبجانبها منطقة درعة مطهرة من الرجس، يعلو فيها نور الحق، ويسيطر عليها داعي الله، وتتابعت المعارك في السوس، بعد أن فتحت الطريق أمام ابن ياسين، فانضمت (جزولة) و (ماسة) ومعقل السوس الحصين (تارودانت) ، هذه المدينة التي كانت ترزح غذ ذاك تحت سيطرة طائفة من الروافض ...
ولم تكن نشوة النصر لتقف ابن ياسين وصحبه فهم حماة دعوة دينية سمحة، لاتنهار إزاء التطورات، ولا تضعف تجاه المغربات. فليستمروا في سعيهم النبيل، وليقدموا راحتهم ضحية لهذا العمل النبيل. وكانت فورة النجاح تدفعه إلى متابعة الخطو، وتحفزه لمتابعة الجهود ... فرأيناه بعد بلاد المصامدة، ونواحي الأطلس الكبير، يضرب ضرباته الموفقة، وتقضم ظهور الضالين المضلين، حتى دخل أغمات دخول الظافرين المنتصرين سنة 449هـ وهكذا حيزت على أجزاء كان من الممكن إلا تحاز إلا بعد أن تسيل الدماء وتفنى الجهود، ولكن سيل النجاح كان يطفى على كل شيء، وإمارات الفوز كانت تخف من كل الأخطار، وتجعل الكفاح سهلا لينا.
مع البرغواطين
وأخيرا وقف وجها لوجه مع قبائل برغواطة، هذه القبائل التي جاهرت بالكفر، وأنشأت ديانة خاصة بها، واستطاعوا أن ينتشروا بكثرتهم في مناطق تامسنا-الشاوية- الغنية بأرضها الممتازة بجودة تربتها، فكان لا بد أن يقف معهم موقف حياة أو موت، فهو لم يتهاون إزاء المترددين، ولم يضعف تجاه العصاة، فما بالك هؤلاء الذين استعصى أمرهم على كثير من الأمراء، ولم يستطع المغراويون-رغم محاولتهم العديدة- القضاء عليهم ولا الحد من نشاطهم فالواجب دعاه لان يقدم حربهم على كل شيء، ويخلص البلاد من مجوسيتهم التي دنست إرجاء هذا الوطن المومن.
والواقع أن برغواطة يرجع فسادها إلى (صالح ابن طريف) المتنبئ، وهو لرجل خبيث النزعة يهدي الأصل، قرأ كثيرا وتنقل في الأندلس والمشرق، ولم يجد مكانا خصبا لشعوذته ونفاقه إلا هذه البلاد التي أغرى أهلها واستطاع أن ينفذ إلى أعماق قلوبهم، واستهواهم بأساليبه الشيطانية حتى أصبحوا أطوع له من
بناته، وهناك شرع ينفذ فيهم تعاليمه، التي تحتاج على شرح طويل، وربما تناولناهم بالدرس في حديث مقبل بإذن الله.
لذلك فمحاربة هذه النحلة واجب أكيد، جند ابن ياسين من اجله كل جهوده، ولكن مع الأسف لم يشهد في ختامه نتيجة كفاحه، إذ استشهد-رحمه الله- بعد معارك طاحنة وملاحم شديدة. وهكذا أنطفا هذا النجم اللامع، وخبا هذا الشعاع الذي كان ينير الإرجاء. وكان القدر يرسم له خطوطه النهائية، ويهيئ له هذه الخاتمة النبيلة، التي لا تكون إلا للإبرار الممتازين. فقد انتهى هذا الشخص النبيل الإنساني العظيم، بدون ضجة أو عويل، وعلقته اوهاق المنية وهو يشهد هذا الصراع الجبار بين عقيدتين: عقيدة مخلصة تتعالى جذورها إلى السماء، وعقيدة زائفة بناها صاحبها لإغراض دنيئة ولغايات خسيسة ... ولكنه ما مات حتى كان قد غرس شجرة أينعت وآتت أكلها، ولئن مالت في معركة فإن قومه تارعوا الكفاح حتى طهروا البلاد من هذا الدنس، واستطعوا أن يجعلوا نومة الرجل العظيم نومة مستريحة، حيث ارضي ضميره الحي، وأنقذ أمته من شر كان سيؤدي بها إلى الهاوية.
ونقل ابن ياسين بعد تجهيزه إلى قبيلة (زعير) ، حيث دفن في الموضع المسمى اليوم (بكريفلة) وسكنت روحه هناك على ربوة تزار إلى الآن. وفيها يرفد هذا الصوت الذي جاهر بالحق وهو وحيد، وكافح ضد الباطل ونجح حيث يفشل الكثير.
ابن ياسين في الميزان
والآن وقد وصلنا إلى هذه المرحلة من حياة هذه الشخصية، وصورنا كفاح هذا الرجل العظيم في إنسانيته ونيله، ووضحنا قوة إيمانه التي حطمت كل