فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 101

العراقيل، وتغلبت على الشدائد رغم صعوبة المسعى وقلة الأمل. فهل دعوته دعوة الحق، أم كان يسعى إلى غايات أخرى؟.

الواقع أن كل الدلائل كانت تشير إلى أنه كان يعزف عن كل شيء، وكان يهدف فقط إلى نجاح دعوة الله والدين الحق، وكانت سبيله-رغم ما فيها من قسوة أحيانا- سبيل المؤمن المضحي بهنائه وراحته من أجل سمو روحي وراحة فكرية.

فهذا عامل من عوامل نجاحه، وسر من أسرار تفوقه، فالرجل الذي يقبل الدخول إلى الصحراء وهو اعزل إلا من سلاح الإيمان، ويقاوم نزعات مختلفة تحكمت في أصحابها منذ القديم، وورثوها أبا عن أب واستطاع أن يحطمها ويبددها بسهولة، ثم يخلق من أصحابها أقواما جددا، صيغوا من جديد صياغة محكمة وتشبعت أفئدتهم بيقين غريب في بابه ... هذا اليقين الذي دفع بهم إلى الأمام، وجعلهم أداة طيعة في يده، يصوغهم حسب النهج الذي يرتضيه، هذا الرجل، رجل عظيم جدا بدون جدال.

وعامل آخر يجب إلا ننساه، ويرجع إلى معرفته للنفسيات البشرية وطرق علاجها، وكيفية التغلب عليها، ومقاومة شرورها وتصريف طاقاتها تصريفا كله صلاح وحكمة، فلو كان ناقصا من هذه الناحية، وغير متعمق في هذا الفهم، لكان بالإمكان أن بفشل في دعوته ويخيب في مسعاه، ولأمكن أن يبقى في رباطه الذي بناه للعبادة، منزويا على نفسه، لا يذكر ولا يعرف ولا يسجل التاريخ عنه شيئا. وعامل ثالث أيضا يرجع إلى أن دعوته كانت دعوة إصلاح، بعيدة عن البهرج والزيف، والخرافات والضلالات، فلم يضع لنفسه رهبانية خاصة، ولم يفرض على إتباعه طقوسا معينة، إلا شعائر الدين والشريعة السمحة في صفائها ورقة جداويلها، ونبل إحساسها. ففتن الناس بالدعوة، ومالوا إليها عن إيمان، واعتنقوها عن رغبة، وتفانوا في الدفاع عنها بكل ما يملكون من طاقات للعمل.

وعامل رابع يجب أن لا نغفله عند الحساب، كان من الأشياء التي ساعدته على النجاح، وهيأت له سبيل الظفر، ذلك أن المغرب غذ ذاك كان يعيش في بركان هائج.

ودولة مغراوة وبنو بفرن يتقاسمان النفوذ فيما بينهما، وقد مل الشعب ملكهما الذي كان يعتمد على تقلبات وأهواء: سياسية الأندلس التي يديرها وينظم دفتها المنصور ابن أبي عامر، وسياسة القيروان التي يديرها ساسة العبيديين، ورغم أن زيري بن عطية حاول أن يرأب الصدع، ويجمع الكلمة، إلا أن الحالة كانت متأزمة والفوضى تضرب أطنابها، والأحوال في الاختلال. فكانت الظروف كلها تحتم قيام دولة متينة البناء، شامخة الأعمدة، تعتمد على إيمان جديد، وتتوفر على إمكانيات ضخمة من الرجال والقوة والعتاد، يكون سبيلها محو سلسة الظلم التي طوقت أعناق الرعية، وأذلت السكان.

لذا تقبل الناس قيام هذه الدعوة التي لم تكن تؤمل هذا النجاح، بالقبول الحسن، وساعدوها بالإعانة والتأييد، فالأحداث اليومية ساقته هذا المساق، وهيأت له هذا الفوز الغير المترقب، لذلك إذا كان يؤخذ على دعوته انه خرج بها من المنهج الديني الإرشادي، على منهج سياسي، وإنها أصبحت حركة تحرير بعد أن كانت حركة تطهير، فان دوافع متعددة هي التي ساقته بدون أن يكون قد وضع في حسابه هذا التقدير ... ولو وكل غله الأمر لاكتفى بان يبعد عن كل مصلحة سياسية، وان يقتصر على دعوة الإرشاد والهدى، ولكن دوامة الإحداث غمرته من أخمص قدميه على قمة رأسه، فلم يجد مناصا من أن يتابع التيار، وان يترك الميراث لأبناء لمتونة ليتابعوا أداء الرسالة، التي بلغت قمة نجاحها، حين تسلم زمام الأمور البطل (يوسف بن تاشفين) .

ومهما يكن فعبد الله ابن ياسين شخصية خصبة الجوانب جديرة بالاهتمام. وأننا بهذا العرض البسيط أنما قمنا ببعض الواجب، في الوقت الذي كثر فيه الحديث عن الصحراء، وانضمامها إلى الوطن الأم. فهذا واحد من أبناء الصحراء المصلحين سجلنا تاريخه في هذه الفترة الحاسمة لنرهن مرة أخرى على أننا امة واحدة، وان كان ذلك قد أصبح من الوضوح بحيث لم يعد بحاجة إلى برهان جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت