فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 103
عينه المسلوب، ومنهم من توسد خياله في غيبوبة فجرية قانعا بحلم رمادي، ومنهم من اعتصم بالليل حتى إذا رأى القمر بازغا قال: هذا ملكوتي، ومنهم من تغذى بسلخات لحمه، وتمزقات عروقه، وشرب من بئر دمائه، وفوارة دموعه، وغدير عربه في خلوة نفسه، ووحدة أنفاسه.
لن أدعو «هوميروس» ولا «سقراط» ولا «الخنساء» ولا «المعري» ولا «المتنبي» ، لا، ولن أناديهم من ذهن الزمن اليقظ لينبتوا لكم صدق ما قلت. فهم حاضرون معنا، متقمصون في ذرات هذا الهواء الذي نتنفس، وهذا الجمال الذي نرى ونلمس. وحبذا لو رفعتم معي عقيرتكم بالنداء إلى أولئك «العظماء» من رؤساء ووزراء، من نبلاء وأغنياء، من حكام وسياسيين، ومن شابههم في ذلك الزمن الذي رفعهم على أكتاف الجور، في نفس الوقت الذي كان غيرهم ممن ذكرناهم مهملين في شقوق النسيان، لابسين أكفان الحياة، منتعلين بالشقاء والدمار.
حبذا لو رفعتم معي عقيرتكم بالنداء إلى «عظماء» ذلك الزمن لعلهم يسمعون فيجيبون، بل وحبذا لو رجعتم إلى زمنهم مفتشين عنهم في صفحات التاريخ أن وسيفه وليله وبيدائه في بيته المشهور.
أني أؤكد لكم، وباسم ضرارة «هوميروس» واسم «سقراط» وتشاؤم «المعري» وصخر «الخنساء» وشرف «المتنبي» أنكم لن تعثروا عليهم. وان كنتم عنيدين في البحث فستعثرون على بعض الأسماء كـ «كافور» و «سيف الدولة» اللذين شرفهما «المتنبي» بشرفه الرفيع الذي يراق على جوانبه الدم طموحا إلى الإمارة والحكم، ناسيا نخوة قلمه وسيفه وليله وبيدائه في بيته المشهور.
ثم بعد هذا فأي يد سحرية جمعتنا في هذا المكان، وربطت بعضنا ببعض بخصلاتها الحريرية تحت هذا الرواق المرقش بلهاث النجوم. وفي ذهن كل واحد منا فكرة واحدة عطرت دماغه وخياله، كما عطرتني أنا، فرفرف خيالي كأنه سرب حمام من عصير الورد والياسمين وصغار البنفسج. إلا وهي فكرة إحياء الذكرى الأربعينية للشاعر إيليا أبي ماضي.
إذن فمن هو هذا إيليا أبو ماضي؟ وما الذي أحيا لنحيى ذكراه؟ وما هي علاقتنا به، ونحن لم نرى قط، ولم يمد لنا في يوم من الأيام بدا لمساعدتنا حتى نرد إليه جميله؟
أسئلة اطرحها على نفسي وعليكم. فاقرأ الأجوبة عنها في ثلاثة دواوين من لون «الخمائل» وترنيمة «الجداول» وصدى «الماضي» في الحاضر، بل تأتيني أجوبتها فائرة مني ومنكم. فاحسبني وأحسبكم فوارات أسرار وعجائب والغار وطلاسم وظمأ وجوع إلى مطر لا اثر للماء فيه، وإلى خبز لم يخطر ببال السنابل، ثم تتسع هذه الفوارات وتمتد، وتزيد في الاتساع والامتداد حتى تشمل الكون الذي يغدو فوارة هائلة من عجيب الأسرار، وغريب الألغاز.
من الناس: جماعة تسبح في خضم هذه الفوارة ليل نهار، جاهدة للوصول إلى قرارها فلا تستطيع، وتظل جاهدة حتى يدركها العياء فتستسلم إلى لججها. وجماعة كلما مسها رشاشها فرت منه فرار الظلام من النور
وجماعة عاشت على غير هدى تحت أقواس نخيلها الشفافة غير مهتمة بها، فهي كالسائمة في مراعي السراب.
وجماعة نفذت ببصيرتها الحادة إلى كل قطرة من قطرات أسرارها وعجائبها وغرائبها، وما تقنع منها بحجاب الغمام، وأستار الصخور والجلاميد، وأروقة الأزمان، وأسوار الطين واللحم والدم، وما اختفى منها تحت قشور عناقيد الدمع، وأظفار العويل، وتفاح الفرح. وهؤلاء هم شموع كل امة. والويل كل الويل لأمة لا تضيئها مثل هذه الشموع، أو تستعير نورها من شموع غيرها.