فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 104

ومن بين هذه الجماعة إيليا أبو ماضي-شمعة الأرز- الذي أشعلته الحياة نورا حادا فولج إلى مخ الحياة وعصارتها وشرايينها، مفتحا حواسنا بشرارته لرؤية ما قار أمامه من أسرار بنعم نلمس فيه قلبه، وقلب الإنسانية، وقلوبنا أيضا، وحنين يخلق فينا رغبة مداعية الأطفال والغزلان، وإحساس يجعلنا نرى سراديب أجسامنا مضيئة كأجسام النجوم، وتفائل بالحياة يبعث فينا نشوة الرجوع من حيث جئنا لتولد ولادة ثانية.

وقد كان إيليا يغرف من دمه الحار الوهاج، ويقدمه للناس باقات من الورد الضاحك، تمرسا بألم التفاؤل الذي مصدره البحث عن الجمال المغلف بالبشاعة، والفرح المقنع بالتشاؤم، والحقيقة ذات القشرة الصلبة واللب العميق، حتى إذا تاه في البحث وراء حقيقة هذا الجمال وضاع فيه، نفي عن نفسه المعرفة الكلية واستسلم لـ «ـلا ادري» ، وفي هذا الاستسلام، وذلك الفني إثبات للحقيقة، وتطلع إلى جوهر جمالها المتفائل المنبثق من ملاعب فوارة الوجود.

لعلنا أدركنا قيمة أبي ماضي، وارتباطنا به، وسبب أحيائنا لذكراه دون غيره من «العظماء» الذين ماتوا في نفس اليوم الذي مات فيه أومن شابهم مع اختلاف الزمان والمكان.

فليعد التراب على التراب، وليبق الوهج المستعصي على الزمن مضيئا دروب الحياة وفوراتها العجيبة ولتظل ابتسامته مشرقة على المبسم الحزين الحائر المتشائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت