فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 106
وعلماء الإسلام، وضمنهم ابن خلدون، لا يطلقون لفظ الأحلام إلا مضافا إلى الأضغاث، وهم في الأغلب يطلقون لفظ «الرؤيا» الذي هو أعم واشمل، والرؤيا كما يحددها ابن خلدون:
«مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات» (1) .
ولكي يتضح لنا هذا علينا أن نذكر أن للنفس الناطقة عندهم ادراكين: 1) إدراكا بالحواس، وهو الإدراك الظاهر، 2) وإدراكا بواسطة القوة الدماغية (الحس المشترك، والخيال، والواهمة، الحافظة والمتصرفة) وهذه تسمى بالإدراك بالباطن.
والنفس روحانية بالقوة، وغنما هي مستكملة بالبدن ومداركه، ومعنى هذا أن للإنسان استعدادا لأدراك ما في العالم، ولا يعوقه عن هذا الإدراك إلا قيد الجسم، فإذا ارتفع هذا القيد بطريقة ما، ثم له ما أراد من الاطلاع على الأمور الغيبية المستقبلة، وما النوم إلا أحد هذه الطرق التي يرتفع بها هذا القيد.
ثم أن هذا الاستعداد عام في البشر جميعا، إلا أنه عند الأولياء أقوى، أما عند الأنبياء فهو استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة، التي هي أعلى الروحانيات، واتي لا تتوقف في إدراكها على الحواس.
ومعنى هذا أيضا الإنسان يتوفر على قوة من الإدراك خارجة عن نطاق العقل، ودليلهم في ذلك ما يرى الإنسان من الأحلام التي تجد طرقها إلى عالم الحقيقة والواقع، وفي هذا دليل على أن النفوس البشرية ليس من العسير عليها أن تهتدي إلى العوالم العلوية «بل كل واحد رأى في نومه ما صدر له في يقظته مرارا غير واحدة، وحصل له على القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم ولابد» (2) .
ولحد الآن لا نجد فيما سبق سوى شرح يعتمد على الروحانية الميتافيزيقية، مأتاه في الحقيقة طريقة فهمهم للنفس الإنسانية، وهي طريقة لا تختلف في جوهرها عن طريقة اريسطو وغيره من فلاسفة اليونان، وجريا على محاولة فلاسفة الإسلام دائما التوفيق بين مضامين الفلسفة اليونانية والنصوص الواردة في القرآن أو الحديث، ويبدو لنا ذلك جليا عند الفارابي الذي كان أول فيلسوف إسلامي ادخل في حسابه التوفيق بين العقل والوحي، فهو مثلا يقابل العقل الفعال بالروح الأمين، والعقول المتدرجة بالملائكة، والأفلاك بالملأ الأعلى، على غير ذلك، نقول: جريا على تلك المحاولة نراهم هنا أيضا يحاولون أن يستفيدوا من نظرية النفس في إثبات حقيقة النبوة عن طريق الرؤيا التي هي خواص للنفس اللانسانية «وإذا جاز ذلك (أي إدراك الغيب) في عالم النوم فلا يمتنع في غيره من الأحوال» (3) .
وابن خلدون يورد حديثا يقول: «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزاءا من النبوة، وفي رواية: ثلاثة وأربعين، وفي أخرى: ثلاثة وسبعين» ويفيدنا أن المقصود الكثرة، لا حصر العدد.
وأغلب مفكري الإسلام يقسمون الرايا إلى: 1) صادقة 2) وكاذبة، ويحلو لبعضهم أن يضع لهذه وتلك أنماطا متعددة.
فالصادقة منها ما هو من الله، ومنها ما من الملك، فما كان واضحا جليا لا يحتاج إلى تعبير هو من الله، وما كان مرموزا بحاجة إلى تعبير هو من الملك.
أما الكاذبة فهي في مختلف صورها عند الغزالي كما عند ابن خلدون من الشيطان، والشيطان ينبوع الباطل، والنابلسي يفرق بين ما هو وحي الشيطان وما هو في وسوسة النفس أو من الأمزجة والطبائع، ويبني ابن خلدون تقسيمه على حديث صحيح: «الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله، ورؤيا من الملك، ورؤيا من الشيطان» ويستمر في إيضاح كل نوع معتمدا على المضامين الفلسفة: «وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه، فالمجلي من الله، والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك، وأضغاث الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل، والشيطان ينبوع الباطل.
ويجب الاعتراف بأن علماء الإسلام أولوا عنايتهم القصوى للرؤيا الصادقة، وحسبوا ما عداها باطلا من
(1) المقدمة الرؤيا ص 178 طبعة دار الكتاب اللبناني
(2) المقدمة الرؤيا ص 183
(3) نفس الفصل من المقدمة