فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 107

الشيطان، لكننا مع ذلك ا نستطيع أن ننكر لهم كل أساس فيزيقي، بل أنهم كما سنرى استطاعوا أن يتوصلوا إلى كثير من الأسس السيكولوجية والفيزيولوجية لتعليل الأحلام.

فإخوان الصفا مثلا ومعهم ابن سيرين والنابلسي يربطونها تتراءى لم الرياحين والمزامير والملاهي ونحوها، وذو المزاج ألبلغمي تتراءى له الأنهار والأمواج والبياض، وذو المزاج الصفراوي تتمثل له الصواعق والحروب والنار والدم، أما صاحب المزاج السوداوي فتتراءى له المخاوف .. ويقول الأمام الغزالي: وسببها حركة القوة المتخلية وشدة اضطرابها .. ويكون لمحاكاتها أيضا أسباب من أحوال البدن ومزاجه» (1)

ومثل هذا الرأي نجده عند الفارابي في «المدينة الفاضلة» فهو يقرر أن المخلية آثار اليقظة أثناء النوم، المتخلية تحفظ ما ارتسم في النفوس من المحسوسات بعد أن تفضل بعضها لاعن بعض، وقد يصادق أن يوافق البعض ما كان محسوسا، وقد يكون مخالفا له، وهو لا ينكر أن الأحلام تتشكل بالأمزجة والرغبات والميول التي تسبق الحلم أو تصاحب النوم، ومردها عند ابن خلدون إلى صور تعيها الحافظة، وكانت أوعت فيها عند اليقظة من لدن الخيال، لكنها أما أن تكون صادرة عن الروح العقلي المدرك، وتسمى حينئذ رؤيا، وأما أن تكون ناشئة عن الصور التي في الحافظة وهي الأحلام (2) .

وابن رشد الفيلسوف المغربي العظيم نراه في «الحاس والمحسوس» يتفطن إلى أهمية رغبات النفس البهيمية وميولها، فالنفس المشتاقة إلى شيء فالعطشان مثلا يروي ظمأه في النوم.

والمحب يشبع في المنام حبه، أليس هذا قريبا مما يعبر عنه حديثا بالكبت أو التنفيس؟!

ثم أنهم أدركوا الصلة الوثيقة للحلم بشخصية صاحبه، ومن ثم كنا نراهم يلزمزن على المعبر، أي شارح الحلم، أن يكون على اتصال بصاحب الحلم حتى يسعه أن يفهم حقيقة الرموز، ونفس هذا الموقف هو الذي نراه عند علماء النفس المحدثين الذين جعلوا أداة للكشف عن حجب النفس البشرية، وعلاج كثير من الأمراض الناشئة عن عقد نفسية تقتضي التحليل النفسي.

ونستطيع أن ندلل على أنهم-ولاسيما من جردوا أنفسهم لتعبير الرؤى- تعمقوا تأويل الرموز التي ترى في الأحلام، وهي تأويلات لن يجافيها الصواب دائما، وقريبة نتائج بعض التجارب الحديثة، فالبحر ربما كان يرمز السلطان، والعداوة ربما رمز إليها بالحية، ولا بد من عامل الحس هنا، فالولد الأعمى لا يمكن أن يصور له السلطان بالبحر، ولا العدو بالحية، ولا النساء بالأواني، على حد تعبير ابن خلدون، لأنه لم يدرك شيئا من هذه، فيكون الرمز من جنس مداركه التي هي المسموعات والمشمومات، وابن خلدون يبهرنا بنظرية تكشف عن صدق التجربة، وهي مشابهة لبعض النظريات الحديثة، فهو يقرر أن الرؤيا لا تحدث إلا عند ابتداء النوم وذهاب الاختيار في الكلام. ويقرر الأستاذ «فولكمان» انه لاوعي ولا شعور على الإطلاق في النوم العميق، وان أحلامنا تقع في الانتقال التدريجي إلى اليقظة، ويرى «ودوبرث» في كتابه «السيكولوجية» فصل التخيل، أن الحلم يحدث بعيد النوم أو عند النوم الخفيف.

ولا بد من الإشارة إلى أن عامل البيئة والوازع الديني كان لهما الأثر الفعال في تكييف آراء علماء الإسلام في الموضوع، وإن كان هذا لا يعني قطعا أنهم لهم يستفيدوا ممن سبقهم في الموضوع من اليونان، بل أنهم تأثروا ولو تأثرا ضئيلا، (فالسمنودي) نحا نحو (ارطميدوس) في تصنيف الأحلام وتعليلها على: المحمود ظاهرا وباطنا، والمذموم ظاهرا المحمود باطنا، وهو يأتي بنفس الأمثلة التي أتى بها (ارطميدوس) لنفس الغرض، لكن مع التغييرات التي تفرضها ديانة السنمودي المسلم فيجعل بدل الآلهة، الإله مثلا (2) .

(1) مقاصد الفلاسفة ص 310 - 311

(2) المقدمة الفضل الثاني عشر تعبير الرؤيا ص 858

(2) «كتاب الأحلام» للدكتور توفيق الطويل ص 66 - 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت