فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
القلوب والغصة في الصدور والحرقة في النفوس والبلبلة في العقول وسياط القسوة في لحوم العباد ... تنطق بألف لسان ولسان فتعرب عن بوار المبادئ وعن بوار البضاعة الإنسانية في أسواق «الضمائر المتهافتة» ...
وفي نطاق ذلك السباق الهائل في سبيل القوة وفي سبيل الهيمنة تثير «سياسة الأطماع» جلبة وضوضاء تملأ بها الفضاء حتى يلتبس الحق بالباطل، أو حتى لا يسمع أنين المعذبين وصيحات المكلومين واحتجاج الممتهنين وحشرجة المحتضرين ... ولئن هي أخرست أبواق جلبتها وضوضائها إلى حين فأصخت لأنين المعذبين وصيحات المكلومين واحتجاج الممتهنين وحشرجة المحتضرين وأتاحت لها الفرصة أن تسمع فإنما هي ترمي من وراء ذلك إلى أن تستغل أبشع استغلال وأكفره ذلك الأنين وتلك الصيحات وذلك الاحتجاج وتلك الحشرجة، فتفوز بتنفيذ ما سطرته الأنانية من البرامج المظلمة ...
ليس من شك في أنه يبدو لأول وهلة أن أوكد الواجبات في مثل هذا الجو وفي مثل هذه الظروف إنما ينحصر في الإسراع بمواساة الجريح وإطعام الجائع ونصرة الضعيف وتعزيز جانب الممتهن ...
وليس من شك في أنه يبدو لأول وهلة أن الحديث عن شؤون الدين وعن شؤون الفكر في مثل هذا الجو وفي مثل هذه الظروف إنما يدل على ضرب خفي من السخرية أو ينم عن أخص خصائص العقلية البيزنطية في اهتماماتها بسفاسف الأمور فرارا من الواقع ومن قسوة أشواكه أو تنصلا من الاضطلاع بأعباء «المسؤولية الإنسانية» ...
إلا أنه يكفيك أن تفكر قليلا فيما نلمسه من رسوم التطاحن بين مختلف المذاهب والتعاليم وفيما نشاهد من أمارات الفوضى في الأوضاع سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو عقلية أو خلقية بجميع أنحاء الكرة الأرضية، لتدرك أن الأقوياء المتجبرين ليسوا بأسعد حالا من الضعفاء الممتهنين، أعني أنهم جميعا يشكون أدواء إن كانت تختلف في ظاهرها فهي واحدة في باطنها ... لكونها كلها متفرعة عن أصل واحد، أو لكونها كلها رموزا لحقيقة واحدة لك أن تسميها «تهافت الضمير الإنساني» أو «كسوف الحق» في العصر الحاضر ... على وجه كرة أرضية موحدة!
يكفيك أن تفكر قليلا في كل هذا لتدرك أن مصير البشرية جمعاء أصبح واحدا وحدة لم يشاهد التاريخ مثلها قط في أي حقبة من أحقابه الغابرة ... ناهيك أن البشرية جمعاء أصبحت بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن تهتدي إلى «نظرة» جديدة أو مجددة للحياة كفيلة بأن تضمن لهيكلها كله السلامة والبقاء في نطاق حرمة شاملة لا تمييز فيها ولا تفرقة بين عنصر وعنصر ولا بين جنس وجنس ... وإما أن تبيد جميعها فلا يبقى منها أي عنصر ولا أي جنس ...
يكفيك أن تفكر قليلا في كل هذا لتدرك أن الساعة هي ساعة الدين وساعة التفكير، وساعة التفكير في شؤون الدين وفي شؤون الفكر، وفيما يمكن أن يكون للدين وللفكر من المفعول في سبيل إنقاذ البشرية مما تشكوه من الأدواء ورسوم الفوضى والتهافت، ومما يهددها من جسيم الأخطار الكامنة في القنابل الذرية والأسلحة العصرية ...
وإني لأذهب إلى أبعد من هذا فأقول قولا جزما بأن المحنة التي هي محنة الفكر في الساعة الحاضرة، لهي على الإطلاق أعظم المحن التي عرفناها منذ أن كان الدين ومنذ أن كان الفكر على وجه الأرض ... ذلك أن «الحق» لم يعرف في أي عصر من العصور الدائرة كسوفا أكمل ولا أخطر ولا أشد وبالا على البشرية من هذا الكسوف الذي يبتلى به اليوم، نظرا إلى أن الأخطار التي أضحت تهدد العالم بأسره من جراء احتدام الأهواء. وانتشار القوى الظلامية ومن جراء اكتشاف أسرار الطاقة الذرية، ليس يمكن درؤها إلا إذا ما وجد «الضمير الإنساني» في أعمق أعماقه حيث يتحدد إيمانه بالحق على ممر العصور «فضلا من القوة» أو «زادا جديدا» يردع به الطاقة الذرية فيفوز بفضل ذلك الفضل، أو بفضل ذلك الزاد، بالهيمنة الحقيقية على ما عسى أن تثيره النفس البشرية من الزهو والغرور والجشع الذي لا حد له ..
أليس معنى أن مسؤولية الدين ومسؤولية الفكر لهي أعظم ما تكون وأثقل ما تكون وأشرف ما تكون في اليوم الحاضر؟
انتفى الاعتدال في العصر الحاضر بين «قوة» الضمير و «قوة» الصناعة من جراء كسوف الحق، فأضحت الإنسانية قاطبة تحس بمتلف الحنين إلى «العمل المنقذ» الذي يجدد لها عهد الأمن وعهد الطمأنينة وعهد السلام بتحقيق «اعتدال حي» بين «قوة الضمير» و «قوة الصناعة» ...