فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 5287

فليس بمثل هذه «الظلمة» في العقول يمكن أن يبعث الشرق وتبعث قيمه .. وليس بمثل هذه الدماغولجيا يمكن أن يصفي حسابه الفكري والروحي.

بوارق الأمل:

وبعد فهل فشل المؤتمر من جراء هذه الظلمة الطاغية؟ وهل ذهبت كل المساعي لتنظيمه أدراج الرياح؟

الحقيقة هي أن المؤتمر كان مفيدا جدا من عدة نواح. أهمها أنه أتاح فرصة نادرة لاجتماع العدد الكثير من نواب الحركات الفكرية والدينية بمختلف الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية .. وبالرغم مما هنالك من فوارق تكاد تكون جوهرية بين «أجناس» العقول المجتمعة، بل بفضل تلك الفوارق، يمكن للبيب أن يجس «نبض» المجتمع الإسلامي، وأن يعرف بالضبط صنوف الشواغل الفكرية والروحية، الرجعية والتقدمية، المظلمة والنيرة، التي تتجاذب العقول الإسلامية وتتنازعها!

وإنه ليمكن لك أن تصنف العقول التي شاركت في المؤتمر .. فهي لا تتجاوز ثلاثة أصناف:

أ) صنف من العقول هي من عهد الإفلاس وإلى رسوم الإفلاس تنتمي. وهي أوضاع الإفلاس تتمرغ.

ب) صنف العقول المخضرمة التي لها رجل في العهد البائد ورجل في العهد الجديد وهي في ميدان الحيرة والبلبلة تتيه تيه النعامات في الصحارى ... آيات بيانها الدجل والنفاق والجبن العقلي.

وليس من ريب في أن المؤتمر الذي ضم كل هذه الأصناف من العقول، ومن شأنه أن يحفز البعض على مواصلة العمل. ومن شأنه بالخصوص أن يربط وثيق الصلات بين عقول الصنف الثاني، فيزداد عددهم ويقوى ساعدهم ويستعين بعضهم ببعض ويستنير بعضهم ببعض، فتحطم بعض السدود العصية وتتفتح بعض الآفاق الجديدة.

وفيما يخصني شخصيا فقد كنت سعيدا حقا بالمشاركة في هذا المؤتمر، فقد مكنني من الاجتماع بنخبة نيرة من ذوي الثقافة الحقيقية والتكوين الصحيح من أبناء الباكستان خاصة .. ولقد كان سروري عظيما جدا إذ اكتشفت هذه الطبقة من العقول الصافية والضمائر الحية والإرادات الصادقة ... وللحديث معها فيه لذة. وفيه حبور. وفيه ما ينعش الأمل. وفيه ما يبعث الرجاء.

أخص خصائص هذه الطبقة من ذرية محمد إقبال الكبير، فهمها أن مصير القيم الروحية الإسلامية ليس ينحصر في نشر ما ألف القدماء مهما كانوا عظاما من الكتب، ولا فيما سطروا من قوانين، ولا فيما استنبطوا من أصول، وإنما هو عمل ابتكار طريف يحقق «التنغيم» بين الحساسية والإسلامية الجديدة الحاضرة مع المبادئ الإسلامية الخالدة ومقتضيات العصر الذي هو عصرنا .. وهو عمل لا يقوم به العوام وأشباه العوام. وإنما يقوم به أصحاب الاجتهاد الحقيقي أو أصحاب التجديد الحقيقي.

وهل دعوت في كل ما أذعت من المحاضرات بمذياع تونس مدة ثلاث سنوات لغير هذا؟ وهل يرمي «تحريك السواكن» لهدف غير هذا الهدف؟

وهل يمكن أن يتم شيء من ذلك ما لم تبدد حنادس الليل المتراكمة على «دارنا العقلية» وما لم تبعث قوية، سالمة، يقظى «الذمة الإسلامية» أو «الضمير الإسلامي» ؟

وليس من ريب في أن انبعاث الذمة الإسلامية قوية سالمة يقظى لمن شأنه أن يضيف إلى «القوى الروحية» في العالم الذري قوة من جنس تلك التي انطلقت من صحراء الجزيرة ما يقرب من أربعة عشر قرنا مضى. موجا عارما سرى بسرعة البرق فأنار مشارق الأرض ومغاربها ..

فما على الهمم الصادقة التي تعمل لتقريب ذلك اليوم السعيد، إلا مواصلة السير جاعلة هدفها الأول: القضاء على «السرطان» المهول الذي ينخر العاطفة الدينية بالأقطار الشرقية على الشكل المريع الذي شاهدناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت